فصل: أوطانُ الرُّواةِ وبلدانُهم

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: ‏فتح المغيث شرح ألفية الحديث ***


مَعْرِفَةُ الثِّقاتِ والضُّعفاءِ

979- واعْنَ بعِلْمِ الْجَرْحِ والتعديلِ *** فإِنَّهُ الْمِرْقَاةُ للتفصيلِ

980- بينَ الصحيحِ والسَّقِيمِ واحْذَرِ *** مِن غَرَضٍ فالْجَرْحُ أيُّ خَطَرِ

981- ومَعَ ذا فالنُّصْحُ حَقٌّ ولقَدْ *** أحسَنَ يَحْيَى في جوابِهِ وسَدّْ

982- لَأَنْ يكونُوا خُصَمَاءَ لِي أَحَبّْ *** مِن كَوْنِ خَصْمِي الْمُصْطَفَى إذ لَمْ أَذُبّْ

983- ورُبَّمَا رُدَّ كلامُ الجارِحِ *** كالنَّسائِي في أحمدَ بنِ صالِحِ

984- فرُبَّمَا كانَ لِجَرْحٍ مَخْرَجُ *** غَطَّى عليه السُّخْطُ حينَ يَحْرُجُ

‏(‏معرفةُ الثقاتِ والضعفاءِ‏)‏ وكانَ الأنسَبُ أنْ يُضَمَّ لمراتبِ الجرحِ والتعديلِ معَ القولِ في اشتراطِ بيانِ سَبَبِهما أو أحَدِهما، وكونِ المُعْتمَدِ عَدَمَه من العالِمِ بأسبابِهما، وفي التعديلِ على الإبهامِ والبِدْعَةِ التي يُجَرَّحُ بها، وما أشْبَه ذلك مِمَّا تَقدَّمَ في موضِعٍ واحدٍ‏.‏

‏(‏واعْنَ‏)‏ أي‏:‏ اجعَلْ أيُّها الطالبُ من عِنايَتِكَ الاهتمامَ ‏(‏بعِلْمِ الجرحِ‏)‏ أي‏:‏ التجريحِ ‏(‏والتعديلِ‏)‏ في الرواةِ‏,‏ فهو من أهَمِّ أنواعِ الحديثِ وأعْلاهَا وأنفعِها؛ ‏(‏فإِنَّه المِرْقَاةُ‏)‏ بكسرِ الميمِ تَشْبيهاً له بالآلةِ التي يَعمَلُ بها وبفتحِها‏,‏ الدرجةُ‏,‏ ‏(‏للتفصيلِ بينَ الصحيحِ‏)‏ من الحديثِ ‏(‏والسَّقِيمِ‏)‏ وفي كلٍّ منهما تَصانِيفُ كثيرةٌ‏,‏ ففي الضعفاءِ ليَحْيَى بنِ مَعِينٍ وأبي زُرْعَةَ الرازيِّ وللبُخاريِّ في كبيرٍ وصغيرٍ، والنَّسائيِّ وأبي حفصٍ الفَلاَّسِ، ولأبي أحمدَ بنَ عَدِيٍّ في كاملِه، وهو أكملُ الكتبِ المُصنِّفةِ قبلَه وأجَلُّها، ولكنَّه تَوسَّعَ لذكرِ كلِّ مَن تُكُلِّمَ فيه وإنْ كانَ ثِقَةً؛ ولذا لا يَحْسُنُ أنْ يُقالَ‏:‏ الكامِلُ‏.‏ للناقِصِينَ، وذَيَّلَ عليه أبو الفَضْلِ ابنُ طَاهِرٍ في تكملةِ الكاملِ، ولأبي جَعْفَرٍ العُقَيليِّ وهو مُفِيدٌ، وأبي حَاتِمِ ابنِ حِبَّانَ وأبي الحَسَنِ الدارقُطْنِيِّ وأبي زَكَرِيَّا الساجِيِّ، وأبي عبدِ اللهِ الحاكِمِ وأبي الفتحِ الأزْدِيِّ وأبي عَليِّ بنِ السَّكَنِ وأبي الفَرَجِ بنِ الجَوْزِيِّ‏,‏ واختصَرَه الذَّهَبِيُّ، بل وذَيَّلَ عليه في تَصْنيفَيْنِ وجَمَعَ مُعْظَمَهما في مِيزانِه فجاءَ كتاباً نَفِيساً عليهِ مُعوَّلُ مَن جاءَ بعدَه، معَ أنَّه تَبِعَ ابنَ عَدِيٍّ في إيرادِ كلِّ مَن تُكُلِّمَ فيه ولو كانَ ثِقَةً، ولكنَّه التزَمَ أنْ لا يذكُرَ أحداً من الصحابةِ ولا الأئمَّةِ المَتْبوعِينَ، وقدْ ذَيَّلَ عليه المُصنِّفُ في مُجلَّدٍ، والْتَقَطَ شيخُنا منه مَن ليسَ في تهذيبِ الكمالِ وضَمَّ إليه ما فَاتَه من الرواةِ والتتماتِ، معَ انتقادٍ وتحقيقٍ في كتابٍ سَمَّاه ‏(‏لِسانَ الميزانِ‏)‏ مِمَّا كَتَبْتُه وأخَذْتُه عنه وعَمَّ النفعُ به، بل له كِتابانِ آخرانِ هما ‏(‏تقويمُ اللسانِ‏)‏ و‏(‏تَحريرُ الميزانِ‏)‏، كما أنَّ للذَّهَبِيِّ في الضعفاءِ مُخْتَصراً سَمَّاهُ ‏(‏المُغْنِي‏)‏، وآخرَ سَمَّاه ‏(‏الضُّعَفاءَ والمَتْروكِينَ‏)‏، وذَيَّلَ عليه والتقَطَ بعضَهم من الضعفاءِ الوَضَّاعِينَ فَقَطْ، وبعضَهم المُدَلِّسِينَ كما مَضَى في بَابَيْهما‏,‏ وبعضَهم المُخْتَلَط

كما سيأتي بعدُ‏.‏

وفي الثقاتِ لأبي حَاتِمِ بنِ حِبَّانَ وهو أحْفَلُها‏,‏ لكنَّه يُدْرِجُ فيهم مَن زَالَتْ جهالةُ عَيْنِه، بل ومَن لم يَرْوِ عنه إلا واحدٌ، ولم يَظْهَرْ فيه جَرْحٌ كما سَلَفَ في الصحيحِ الزائدِ على الصحيحيْنِ، وفي مجهولِ العينِ أيضاً، وذلك غيرُ كافٍ في التوثيقِ عندَ الجمهورِ، ورُبَّما يَذْكُرُ فيهم مَن أدخَلَه في الضعفاءِ؛ إمَّا سَهْواً أو غيرَ ذلك‏.‏

ونحوُه تخريجُ الحاكمِ في مُستدرَكِه لجماعةٍ، وحُكْمُه على الأسانيدِ الذين هم فيها بالصحَّةِ، معَ ذِكْرِ إيَّاهم في كتابِه في ‏(‏الضعفاءِ‏)‏، وقَطَعَ بتركِ الروايةِ عنهم والمنعِ من الاحتجاجِ بهم؛ لأنَّه ثَبَتَ عندَه جَرْحُهم، وللعِجْلِيِّ وابنِ شَاهِينَ، وأبي العَرَبِ التميميِّ، ومن المُتأخِّرِينَ الشمسُ محمدُ بنُ أَيْبَكَ السَّرُوجيُّ لكنَّه لم يُكْمِلْ‏,‏ وُجِدَ منه الأحمدونَ فَقَطْ في مُجلَّدٍ، وأفرَدَ شيخُنا الثقاتَ مِمَّن ليسَ في التهذيبِ وما كَمُلَ أيضاً وللذَّهَبِيِّ معرفةُ الرواةِ المُتكلَّمِ فيهم بما لا يُوجِبُ الردَّ إلى غيرِها من الكتبِ المُشْتَمِلةِ على الثِّقاتِ والضعفاءِ جميعاً؛ كتاريخِ أبي بَكْرِ بنِ أبي خَيْثَمَةَ‏,‏ وهو كَثِيرُ الفوائِدِ، و‏(‏الطَّبَقاتِ‏)‏ لابنِ سَعْدٍ، و‏(‏التَّمْيِيزِ‏)‏ للنسائيِّ وغيرِها مِمَّا ذُكِرَ بعضُه في آدابِ الطالبِ، وللعِمَادِ ابنِ كَثِيرٍ ‏(‏التكميلُ في معرفةِ الثقاتِ والضعفاءِ والمجاهيلِ‏)‏، جمَعَ فيهِ بينَ تهذيبِ المِزِّيِّ وميزانِ الذَّهَبِيِّ معَ زياداتٍ وقالَ‏:‏ إِنَّه من أنفعِ شيءٍ للفقيهِ البارعِ‏,‏ وكذا المُحَدِّثُ، فهذه مَظانُّ الثقاتِ والضعفاءِ غَالِباً، ومن مَظَانِّ الثقاتِ التصانيفُ في الصحيحِ بعدَ الشيخيْنِ، وكذا مَن خَرَّجَ على كِتابَيْهما؛ فإِنَّه يُسْتفادُ منها الكثيرُ مِمَّا لم يُذْكَرْ في الكتبِ المُشارِ إليها، ورُبَّما يُسْتفادُ مِمَّا يُوجَدُ في بعضِ الأسانيدِ توثيقُ بعضِ الرواةِ؛ كأنْ يَقولَ الراوي المُعْتَمَدُ‏:‏ حَدَّثَنِي فلانٌ وكانَ ثِقَةً‏.‏ يعني وما أشْبَهَه، أشارَ إلى ذلك ابنُ

دقيقِ العيدِ‏.‏

‏(‏واحْذَرِ‏)‏ أيُّها المُتَصَدِّي لذلك‏,‏ المُقْتَفِي فيه أثَرَ مَن تَقدَّمَ ‏(‏مَن غَرَضٍ‏)‏ أو هَوًى يَحْمِلُكَ كلٌّ منهما على التحامُلِ والانحرافِ وتركِ الإنصافِ أو الإطراءِ والافتراءِ‏,‏ فذلك شَرُّ الأمورِ التي تدخُلُ على القائمِ بذلك الآفةُ منها، والمُتقَدِّمونَ سالمونَ منه غالباً مُنزَّهونَ عنه؛ لوفورِ ديانتِهم، بخلافِ المُتأخِّرِينَ فإنَّه رُبَّما يقَعُ ذلك في تواريخِهم، وهو مُجانِبٌ لأهلِ الدِّينِ وطَرائِقِهم‏.‏

‏(‏فالجَرْحُ‏)‏ والتعديلُ خَطَرٌ؛ لأنَّكَ إنْ عَدَلَتْ بغيرِ تَثَبُّتٍ كنتَ كالمُثْبِتِ حُكْماً ليسَ بثابتٍ، فيُخْشَى عليك أنْ تدخُلَ في زُمْرةِ مَن رَوَى حديثاً وهو يَظُنُّ أنه كَذِبٌ، وإنْ جَرَّحْتَ بغيرِ تَحرُّزٍ أقدمتَ على الطعْنِ في مُسلمٍ بَرِيءٍ من ذلك، ووَسَمْتَهُ بمِيسَمِ سُوءٍ يَبْقَى عليهِ عَارُه أبداً، وهو في الجَرْحِ بخُصوصِه‏,‏ ‏(‏أيُّ خَطَرِ‏)‏ بفتحِ المُعْجمةِ ثم المهملةِ من قولِهم‏:‏ خَاطَرَ بنفسِه؛ أي‏:‏ أشْرَفَ على هَلاكِها؛ فإنَّ فيه معَ حَقِّ اللهِ ورسولِه حَقَّ آدِمِيٍّ، ورُبَّمَا يَنالُه إذا كانَ بالهَوَى ومُجانبةِ الاستواءِ الضرَرُ في الدنيا قبلَ الآخرةِ، والمَقْتُ بينَ الناسِ، والمنافرةُ‏,‏ كما اتَّفَقَ لأبي شَامَةَ؛ فإنَّه كانَ معَ كَوْنِه عَالِماً رَاسِخاً في العلمِ مُقْرِئاً مُحَدِّثاً نَحْوِيًّا يَكتُبُ الخطَّ المَلِيحَ المُتْقَنَ معَ التواضعِ والانطراحِ‏,‏ والتصانيفَ العِدَّةَ- كثيرَ الوَقيعةِ في العلماءِ والصلحاءِ وأكابرِ الناسِ والطعنِ عليهم والتنقُّصِ لهم وذِكْرِ مَساوِيهِم، وكونُه عندَ نَفْسِه عظيماً فصارَ ساقطاً من أعْيُنِ كثيرٍ من الناسِ مِمَّن عَلِمَ منه ذلك وتَكَلَّموا فيه، وأدَّى ذلك إلى امتحانِه بدُخولِ رجُلَيْنِ جَلِيليْنِ عليه دَارَه في صورةِ مُسْتَفْتِينَ فضَرَباهُ ضَرْباً مُبَرِّحاً إلى أنْ عِيلَ صَبْرُه ولم يُغِثْهُ أحَدٌ‏.‏

ونحوُه ما اتَّفَقَ لبعضِ العَصْرِيِّينَ، مِمَّن لم يبلُغْ في العلمِ مَبْلغَ الذي قبلَه بيقينٍ؛ فإنَّه أكثرَ الوقيعةَ في الناسِ بدُونِ تَدبُّرٍ ولا قِياسٍ‏,‏ فأُبْعِدَ عن البلدِ وتَزَايَدَ به الألمُ والنَّكَدُ، ومعَ ذلك فما كَفَّ حتى ثَقُلَ على الكافَّةِ وما خَفَّ، وارْتَقَى لحُجَّةِ الإسلامِ؛ فَضْلاً عمَّن يَليهِ من الأئمَّةِ والأعلامِ، فلم يَلْبَثْ أنْ ماتَ وما اشْتَفَى من تلك النكاياتِ، واللهُ تعالى يَقِينَا شُرورَ أنفُسِنا وحصائِدَ ألْسِنَتَنَا‏.‏

ولِمَا في الجرحِ من الخَطَرِ، لَمَّا جِيءَ للتقيِّ ابنِ دقيقِ العيدِ بالمَحْضَرِ المُكْتَتَبِ في التقيِّ ابنِ بنتِ الأعزِّ؛ ليَكْتُبَ فيه‏,‏ امتنَعَ منها أشَدَّ امتناعٍ معَ ما كانَ بينَهما من العداوةِ الشديدةِ، بل وأغْلَظَ عليهم في الكلامِ، وقالَ‏:‏ ما يَحِلُّ لي أنْ أكْتُبَ فيه‏.‏ ورَدَّه، فتَزَايَدَتْ جلالتُه بذلك وُعُدَّ في وُفورِ ديانتِه وأمانتِه، وانتفَعَ ابنُ بنتِ الأعزِّ بذلك‏,‏ وكيف لا، والتقيُّ هو القائلُ مِمَّا أحْسَنَ فيه‏:‏ أعراضُ المُسلمِينَ حُفْرَةٌ من حُفَرِ النارِ، وَقَفَ على شَفيرِها طائفتانِ من الناسِ‏:‏ المُحدِّثونَ والحُكَّامُ‏.‏ ونحوُه قولُ بعضِهم‏:‏ مَن أرادَ بِي سُوءاً جَعَلَه اللهُ مُحدِّثاً أو قَاضِياً‏.‏

‏(‏ومعَ ذَلِكَ‏)‏ أي‏:‏ كونُ الجَرْحِ والتعديلِ خَطَراً فلا بُدَّ منه ‏(‏فالنُّصْحُ‏)‏ في الدينِ للهِ ولرسولِه ولكتابِه وللمؤمنينِ ‏(‏حَقٌّ‏)‏ واجِبٌ يُثابُ مُتعاطِيهِ إذا قَصَدَ به ذلك، سَواءٌ كانتِ النصيحةُ خَاصَّةً أو عامَّةً، وهذا منه لقولِ الإمامِ أحمدَ لأبي تُرابٍ النَّخْشَبِيِّ حينَ عَزَلَه عن ذلك بقولِه‏:‏ ‏(‏لا تَغْتَبِ الناسَ، ويَحكَ، هذه نَصِيحَةٌ، وليسَتْ غَيْبَةً‏)‏، وقدْ قالَ اللهُ تعالى‏:‏ ‏(‏وقُلِ الْحَقُّ مِنْ

رَبِّكُمْ‏)‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 29‏]‏‏.‏ وأوْجَبَ اللهُ الكَشْفَ والتَّبَيُّنَ عندَ خَبَرِ الفاسقِ بقولِه‏:‏ ‏(‏إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا‏)‏‏.‏ وقالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في الجَرْحِ‏:‏ ‏(‏بِئْسَ أَخُو العَشِيرَةِ‏)‏‏.‏ وفي التعديلِ‏:‏ ‏(‏إِنَّ عَبْدَ اللهِ رَجُلٌ صَالِحٌ‏)‏ إلى غيرِ ذلك من الأحاديثِ الصحيحةِ في الطرَفيْنِ‏.‏

ولذا اسْتَثْنَوا هذا من الغَيْبَةِ المُحرَّمَةِ، وأجمَعَ المسلمونَ على جَوازِه، بل عُدَّ من الواجباتِ للحاجةِ إليه، ومَن صَرَّحَ بذلك النوويُّ والعزُّ بنُ عبدِ السلامِ، ولَفْظُه في قَواعدِه‏:‏ القَدْحُ في الرواةِ وَاجِبٌ؛ لِمَا فيه من إثباتِ الشرعِ‏,‏ ولِمَا على الناسِ في تَرْكِ ذلك من الضَّرَرِ في التحريمِ والتحليلِ وغيرِهما من الأحكامِ‏,‏ وكذلك كلُّ خَبَرٍ يُجَوِّزُ الشرعَ الاعتمادَ عليه والرجوعَ إليه، وجَرْحُ الشهودِ وَاجِبٌ عندَ الحُكَّامِ عندَ المصلحةِ؛ لحفظِ الحقوقِ من الدماءِ والأموالِ والأعراضِ والأبضاعِ والأنسابِ وسائرِ الحقوقِ‏.‏

وتكلَّمَ في الرجالِ- كما قالَه الذَّهَبِيُّ- جَماعةٌ من الصحابةِ، ثم من التابِعِينَ كالشَّعْبِيِّ وابنِ سِيرِينَ، ولكنَّه في التابِعِينَ؛ أي‏:‏ بالنسبةِ لمَن بعدَهم بقِلَّةٍ؛ لقِلَّةِ الضعفِ في مَتْبوعِيهم؛ إذ أكثرُهم صحابةٌ عُدولٌ، وغيرُ الصحابةِ من المَتْبوعِينَ أكثرُهم ثِقاتٌ، ولا يَكادُ يُوجَدُ في القَرْنِ الأولِ الذي انقرَضَ في الصحابةِ وكِبَارِ التَّابِعِينَ ضعيفٌ إلاَّ الواحدَ بعدَ الواحدِ؛ كالحارثِ الأعْوَرِ والمختارِ الكَذَّابِ، فلَمَّا مَضَى القرنُ الأولُ ودخَلَ الثاني كانَ في أوائلِه مِن أوساطِ التابِعِينَ جَماعةٌ من الضعفاءِ، الذين ضُعِّفوا غالباً من قِبَلِ تَحمُّلِهم وضَبْطِهم للحديثِ، فتَرَاهم يَرْفعونَ الموقوفَ ويُرْسِلُونَ كثيراً‏,‏ ولهم غَلَطٌ؛ كأبي هَارُونَ العَبْدِيِّ، فلَمَّا كانَ عندَ آخرِ عَصْرِ التابعِينَ- وهو حدودُ الخمسين ومائةٍ- تَكَلَّمَ في التوثيقِ والتضعيفِ طائفةٌ من الأئمَّةِ، فقالَ أبو حَنِيفَةَ‏:‏ ما رَأَيْتُ أكْذَبَ من جابرٍ الجُعْفِيِّ‏.‏ وضَعَّفَ الأعمشُ جماعةً‏,‏ ووَثَّقَ آخَرِينَ، ونَظَرَ في الرجالِ شُعْبَةُ وكانَ مُتَثَبِّتاً لا يَكادُ يَرْوِي إلاَّ عن ثِقَةٍ، وكذا كانَ مَالِكٌ، ومِمَّن إذا قالَ في هذا العصرِ قُبِلَ قَوْلُه‏,‏ معمرٌ وهِشامٌ الدستوائيُّ والأوزاعيُّ والثوريُّ وابنُ المَاجِشُونَ وحَمَّادُ بنُ سَلَمَة والليثُ وغيرُهم، ثم طَبَقَةٌ أُخْرَى بعدَ هؤلاءِ؛ كابنِ المُبارَكِ وهُشَيْمٍ وأبي إسحاقَ الفَزَارِيِّ والمُعافَى بنِ عِمْرَانَ المَوْصِليِّ وبِشْرِ بنِ المُفَضَّلِ، وابنِ عُيَيْنَةَ وغيرِهم، ثم طَبَقَةٌ أُخْرَى في زمانِهم؛ كابنِ عُلَيَّةَ وابنِ وَهْبٍ ووَكِيعٍ، ثم انتُدِبَ في زمامنِهم أيضاً لنَقْدِ الرجالِ الحافظانِ الحُجَّتانِ؛ يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ القَطَّانُ وابنُ مَهْدِيٍّ، فمَن جَرَّحاه لا يَكادُ يَندمِلُ جَرْحُه، ومَن وَثَّقاهُ فهو المقبولُ‏,‏ ومَن اخْتَلَفَا فيهِ وذلك قَلِيلٌ اجتُهِدَ في أُمْرِه، ثم كانَ بعدَهم مِمَّن إذا قالَ‏,‏ سَمِعَ منه إمامُنا الشافعيُّ ويَزِيدُ بنُ هَارُونَ وأبو داودَ الطَّيَالسِيُّ وعبدُ الرَّزَّاقِ والفِرْيَابِيُّ وأبو عَاصِمٍ النبيلُ، وبعدَهم طبقةٌ أُخْرَى كالحُمَيديِّ والقَعْنَبِيِّ وأبي عُبَيدٍ ويَحْيَى بنِ يَحْيَى وأبي الوَليدِ الطَّيَالِسِيِّ، ثم صُنِّفَتِ الكُتُبُ ودُوِّنَتْ في الجرحِ والتعديلِ والعِلَلِ وبُيِّنَ مَن هو في الثِّقَةِ‏,‏ والثَّبَتُ؛ كالساريةِ، ومَن هو في الثقةِ كالشابِّ الصحيحِ الجسمِ، ومن هو لَيِّنٌ كمَن تُوجِعُه رأسُه وهو مُتماسِكٌ يُعَدُّ من أهلِ العافيةِ، ومن صِفَتُه كمحمومٍ تُرَجَّحُ إلى السلامةِ، ومن صِفَتُه كمريضٍ شَبْعانَ من المَرَضِ، وآخرُ كمَن سَقَطَ قُواهُ وأشْرَفَ على التلفِ وهو الذي يَسْقُطُ حَدِيثُه، وولاةُ الجرحِ والتعديلِ بعدَ مَن ذَكَرْنا يَحْيَى بنُ مَعِينٍ، وقدْ سَأَلَه عن الرجالِ غيرُ واحدٍ من الحُفَّاظِ، ومن ثَمَّ اختَلَفَتِ آراؤُه وعبارتُه في بعضِ الرجالِ كما اختَلَفَ اجتهادُ الفقهاءِ وصارَتْ لهم الأقوالُ والوجوهُ، فاجْتَهَدوا في المسائلِ‏,‏ كما اجتهَدَ ابنُ مَعِينٍ في الرجالِ، ومن طَبَقتِه أحمدُ بنُ حَنْبلٍ، سألَه جماعةٌ من تَلامِذَتِه عن الرجالِ وكلامِه فيهم باعتدالٍ وإنصافٍ وأدَبٍ ووَرَعٍ‏.‏

وكذا تَكَلَّمَ في الجرحِ والتعديلِ أبو عبدِ اللهِ محمدُ بنُ سعدٍ كاتَبُ الواقديِّ في طبقاتِه بكلامٍ جَيِّدٍ مقبولٍ، وأبو خَيْثَمَةَ زُهَيْرُ بنُ حَرْبٍ له كلامٌ كثيرٌ رَواهُ عنه ابنُه أحمدُ وغيرُه، وأبو جَعْفَرٍ عُبَيدُ اللهِ بنُ مُحمدٍ النبيلُ حافِظُ الجزيرةِ الذي قالَ فيه أبو داودَ‏:‏ لم أرَ أحفظَ منه‏.‏ وعَلِيُّ بنُ المَدِينِيِّ، وله التصانيفُ الكثيرةُ في العللِ والرجالِ، ومحمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ نُمَيرٍ الذي قالَ فيه أحمدُ‏:‏ هو دُرَّةُ العراقِ، وأبو بَكْرِ بنُ أبي شَيْبَةَ صاحِبُ ‏(‏المُسْنَدِ‏)‏، وكانَ آيةً في الحفظِ‏,‏ يُشَبَّهُ بأحمدَ في المعرفةِ، وعُبَيدُ اللهِ بنُ عُمَرَ القواريريُّ الذي قالَ فيهِ صالِحُ جَزَرَةَ‏:‏ هو أعلَمُ مَن رَأَيْتُ بحديثِ أهلِ البصرةِ، وإسحاقُ ابنُ رَاهْوَيْهِ إمامُ خُرَاسانَ، وأبو جَعْفرٍ محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عَمَّارٍ المَوْصِلِيُّ الحافِظُ، وله كَلامٌ جَيِّدٌ في الجرحِ والتعديلِ، وأحمدُ بنُ صَالِحٍ الطَّبَرِيُّ حافِظُ مِصْرَ وكانَ قليلَ المثلِ، وهارونُ بنُ عبدِ اللهِ الحمَّالُ‏,‏ وكُلُّهم من أئمَّةِ الجرحِ والتعديلِ‏.‏

ثم خَلَفَهم طَبَقةٌ أخرى مُتَّصِلَةٌ بهم، منهم إسحاقُ الكَوْسَجُ والدارميُّ والذهليُّ والبُخارِيُّ والعِجْلِيُّ الحافظُ نَزِيلُ المَغْرِبِ، ثُمَّ مِن بَعدِهم أبو زُرْعَةَ وأبو حَاتِمٍ الرَّازِيَّانِ‏,‏ ومُسْلِمٌ وأبو داوُدَ السِّجْسِتَانِيُّ وبَقِيُّ بنُ مَخْلَدٍ وأبو زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيُّ وغيرُهم، ثم مِن بعدِهم عبدُ الرحمنِ بنُ يُوسُفَ بنِ خِرَاشٍ البغداديُّ له مُصَنَّفٌ في الجرحِ والتعديلِ، قَوِيُّ النفسِ كأبي حاتِمٍ، وإبراهيمُ بنُ إسحاقَ الحَرْبِيُّ، ومحمدُ بنُ وَضَّاحٍ الأنْدَلُسِيُّ حَافِظُ قُرْطَبَةَ، وأبو بَكْرِ بنُ أبي عاصمٍ، وعبدُ اللهِ بنُ أَحمدَ، وصَالِحُ جَزرَةَ وأبو بَكْرٍ البَزَّارُ، وأبو جَعفَرٍ محمدُ بنُ عُثْمانَ بنِ أَبِي شَيْبَةَ وهو ضَعيفٌ‏,‏ لكنَّه من أئمَّةِ هذا الشأنِ، ومحمدُ بنُ نَصْرٍ المَرْوَزِيُّ، ثم مَن بعدَهم أبو بكرٍ الفِرْيابِيُّ والبَرْدِيجِيُّ والنَّسائِيُّ وأبو يَعْلَى والحَسَنُ بنُ سُفْيانَ وابنُ خُزَيْمَةَ وابنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ والدَّوْلابِيُّ وأبو عَرُوبةَ الحَرَّانِيُّ وأبو الحسنِ أحمدُ بنُ عُمَيرِ بنُ جوصا وأبو جعفرٍ العُقَيليُّ‏.‏

ثم طَبَقةٌ أُخْرَى‏,‏ منهم ابنُ أبي حَاتِمٍ، وأبو طَالِبٍ أحمدُ بنُ نَصْرٍ البَغْدادِيُّ الحافِظُ شيخُ الدَّارَقُطْنِيِّ وابنُ عُقْدَةَ وعبدُ الباقي بنُ قَانِعٍ، ثم مَن بعدَهم أبو سعيدِ بنُ يُونُسَ وابنُ حِبَّانَ البُسْتِيُّ والطَّبَرَانِيُّ وابنُ عَدِيٍّ الجُرْجانيُّ ومُصَنَّفُه في الرجالِ‏,‏ إليه المُنْتَهَى في الجَرْحِ كما تَقدَّمَ، ثم بعدَهم أبو عَلِيٍّ الحُسَينُ بنُ محمدٍ المَاسَرْجِسِيُّ النَّيْسابوريُّ، وله مُسْنَدٌ مُعلَّلٌ في ألفٍ وثلاثِمائةِ جُزْءٍ، وأبو الشيخِ بنُ حَيَّانَ، وأبو بَكْرٍ الإسماعيليُّ وأبو أحمدَ الحاكِمُ والدارقطنيُّ وبه خَتَمَ ‏(‏معرفةَ العِلَلِ‏)‏‏.‏

ثم بعدَهم أبو عبدِ اللهِ بنُ مَنْدَةَ وأبو عبدِ اللهِ الحاكِمُ وأبو نَصْرٍ الكلاباذيُّ، وأبو المُطَرِّفِ عبدُ الرحمنِ بنُ فُطَيْسٍ قاضي قُرْطَبَةَ، وله دَلائِلُ السُّنَّةِ في خَمْسِ مُجَلَّداتٍ، وفَضائِلُ الصحابةِ كما أسلَفْتُه هناك، وعبدُ الغَنِيِّ بنُ سَعِيدٍ وأبو بَكْرِ بنُ مَرْدُويَهْ الأصبهانيُّ وتَمَّامٌ الرَّازِيُّ، ثم بعدَهم أبو الفتحِ مُحمدُ بنُ أبي الفوارسِ البغداديُّ وأبو بَكْرٍ البَرْقانيُّ وأبو حَازِمٍ العَبْدَوِيُّ، وقد كَتَبَ عنه عَشْرَةُ أنفسٍ عَشْرَةَ آلافِ جُزْءٍ‏,‏ وخَلَفُ بنُ مُحمدٍ الواسطيُّ وأبو مَسعودٍ الدِّمَشْقِيُّ وأبو الفضلِ الفَلَكِيُّ، وله كتابُ ‏(‏الطبقاتِ‏)‏ في ألفِ جُزْءٍ، وأبو القاسمِ حَمْزَةُ السهميُّ وأبو يَعْقُوبَ القرابُ وأبو ذَرٍّ الهروبانِ، ثم بعدَهم أبو مُحمدٍ الحسنُ بنُ محمدٍ الخَلاَّلُ البغداديُّ وأبو عَبْدِ اللهِ الصوريُّ وأبو سَعْدٍ السَّمَّانُ وأبو يَعْلَى الخليليُّ، ثم بعدَهم ابنُ عبدِ البَرِّ وابنُ حَزْمٍ الأنْدَلُسِيَّانِ والبيهقيُّ والخَطِيبُ، ثم أبو القاسِمِ سعدُ بنُ محمدٍ الزَّنْجانيُّ، وشيخُ الإسلامِ الأنصاريُّ وأبو صَالِحٍ المُؤذِّنُ وابنُ مَاكولا وأبو الوليدِ الباجِيُّ، وقد صَنَّفَ في الجرحِ والتعديلِ وكانَ عَلامَّةً حُجَّةً وأبو عبدِ اللهِ الحُمَيديُّ وابنُ مفوزٍ المُعافِرِيُّ الشاطِبِيُّ ثم أبو الفَضْلِ بنُ طَاهِرٍ المَقْدِسِيُّ وشُجَاعُ بنُ فَارِسٍ الذهليُّ‏,‏ والمُؤْتمِنُ بنُ أحمدَ بنِ عَلِيٍّ الساجيُّ وشِيرُويَهْ الدَّيْلَمِيُّ الهَرَوِيُّ مُصنِّفُ ‏(‏تاريخِ هَرَاةَ‏)‏ وأبو عَلِيٍّ الغَسَّانِيُّ، ثم بعدَهم أبو الفَضْلِ بنُ نَاصِرٍ السلاميُّ والقاضي عِياضٌ والسَّلَفِيُّ وأبو مُوسَى المَدِينِيُّ وأبو القاسمِ بنُ عَسَاكِرَ وابنُ بَشْكُوالٍ‏.‏

ثم بعدَهم عبدُ الحَقِّ الإشْبيلِيُّ وابنُ الجَوْزِيِّ وأبو عبدِ اللهِ بنُ الفخارِ المَالِقِيُّ وأبو القاسِمِ السُّهَيْلِيُّ، ثم أبو بَكْرٍ الحَازِمِيُّ وعبدُ الغَنِيِّ المَقْدِسِيُّ والرَّهاويُّ وابنُ مُفَضَّلٍ المَقْدِسِيُّ، ثم بعدَهم أبو الحَسَنِ بنُ القَطَّانِ وابنُ الأنماطِيِّ وابنُ نُقْطَةَ وابنُ الدُّبَيْثِيِّ وابنُ خَلِيلٍ الدِّمَشْقِيُّ، وأبو بكرِ بنُ خلفونَ الأزْدِيُّ وابنُ النَّجَّارِ ثم الزَّكِيُّ المنذريُّ والبَرَزالِيُّ والصَّرِيفِينِيُّ والرَّشيدُ العَطَّارُ وابنُ الصَّلاحِ وابنُ الأبَّارِ وابنُ العديمِ وأبو شَامَةَ وأبو البقاءِ خالِدُ بنُ يُوسُفَ النابُلْسِيُّ وابنُ الصَّابُونِيِّ‏.‏

ثم بَعْدَهم الدِّمْياطيُّ وابنُ الظَّاهِرِيِّ والمَيْدُومِيُّ وَالِدُ الصَّدْرِ وابنُ دَقِيقِ العيدِ وابنُ فَرَجٍ وعُبَيدٌ الإسْعَرْدِيُّ، ثم بعدَهم سعدُ الدينِ الحارثيُّ والمِزِّيُّ وابنُ تَيْمِيَّةَ والذَّهَبِيُّ وصَفِيُّ الدينِ القرافيُّ وابنُ البَرَزالِيِّ والقُطْبُ الحَلَبِيُّ وابنُ سَيِّدِ الناسِ‏.‏

في آخرينَ من كلِّ طَبَقَةٍ، منهم في شُيوخِ شُيوخِنا المُصنِّفُ، ثم تلميذُه شيخُنا‏,‏ وفاقَ في ذلك على جميعِ مَن أدْرَكَه، وطُوِي البِساطُ بعدَه إِلاَّ لمَن شاءُ اللهُ، خُتِمَ لنا بخيرٍ، فعَدَلُوا وجَرَّحُوا، ووَهَّنوا وصَحَّحُوا، ولم يُحابثوا أباً ولا ابناً ولا أخاً، حتى إنَّ ابنَ المَدِينِيِّ سُئِلَ عن أبيهِ، فقالَ‏:‏ سَلُوا عنه غَيْرِي‏.‏ فأعَادُوا؛ فأطْرَقَ ثم رفَعَ رأسَه فقالَ‏:‏ هو الدِّينُ، إنَّه ضَعِيفٌ، وكانَ وَكِيعُ بنُ الجَرَّاحِ لكونِ والدِه كانَ على بيتِ المالِ، يُقْرِنُ معَه آخرَ إذا روَى عنه، وقالَ أبو داودَ صَاحِبُ ‏(‏السُّنَنِ‏)‏‏:‏ ابْنِي عبدُ اللهِ كَذَّابٌ، وإنْ تَأَوَّلْناهُ في غيرِ هذا الكتابِ‏,‏ ونحوُه قولُ الذَّهَبِيِّ في وَلَدِه أبي هُريرةَ‏:‏ إِنَّه حَفِظَ القرآنَ ثم تَشاغَلَ عنه حتى نَسِيَهُ‏.‏ وقالَ زيدُ بنُ أبي أُنَيْسَةَ كما في مُقَدِّمَةِ مسلمٍ‏:‏ لا تَأْخُذُوا عن أَخِي‏.‏ يَعْنِي يَحْيَى المذكورَ بالكذبِ‏.‏

نَعَمْ في الخلفاءِ وآبائِهم وأهْلِيِهم كما قالَه الذُّهَبِيُّ في تَرْجَمَ‍ةِ داودَ بنِ عَلِيِّ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عَبَّاسٍ من تاريخِ الإسلامِ له‏:‏ قَوْمٌ أعرَضَ أهلُ الجَرْحِ والتعديلِ عن كَشْفِ حَالِهم؛ خوفاً من السيفِ والضَّرْبِ، قالَ‏:‏ وما زالَ هذا في كلِّ دَوْلَةٍ قائمةٍ يَصِفُ المُؤَرِّخُ مَحاسِنَها ويُغْضِي عن مَساوئِها هذا إذا كانَتْ ذا دِينٍ وخَيْرٍ؛ فإنْ كانَ مَدَّاحاً مُداهِناً لم يُلْتَفَتْ إلى الوَرَعِ، بل رُبَّما أخرجَ مساوئِ الكبيرِ وهناتَه في هيئةِ المَدْحِ والمكارمِ والعظمةِ‏,‏ فلا قُوَّةَ إلاَّ باللهِ‏.‏

ولا شَكَّ أنَّ في المُتكَلِّمِينَ في ذلك من المُتأخِّرِينَ مَن كانَ من الوَرَعِ بمكانٍ‏,‏ كالحافظِ عبدِ الغَنِيِّ صاحبِ ‏(‏الكمالِ في معرفةِ الرجالِ‏)‏ المُخرَّجِ لهم في الكتبِ السِّتَّةِ الذي هَذَّبَه المِزِّيُّ وصارَ كِتاباً حَافِلاً‏,‏ عليه مُعوَّلُ مَن جاءَ بعدَه، واختصَرَه شيخُنا وغيرُه، ومن المُتقَدِّمِينَ مَن لم يُشَكَّ في وَرَعِه؛ كالإمامِ أحمدَ‏,‏ بل قالَ‏:‏ إِنَّه أفضلُ من الصومِ والصلاةِ‏.‏ وابنِ المُبارَكِ فإِنَّه قالَ‏:‏ لو خُيِّرْتُ بينَ أنْ أدخُلَ الجنةَ وبينَ أنْ ألْقَى عبدَ اللهِ بنَ المُحَرَّرِ لاخْتَرْتُ أنْ ألقاهُ ثم أدخُلَ الجنَّةَ‏.‏ فلَمَّا رأيْتُه كانتْ بَعْرَةٌ أحَبَّ إليَّ منه، وابنِ مَعِينٍ معَ تصريحِه بقولِه‏:‏ إنَّا لَنَتكَلَّمُ في أناسٍ قد حَطُّوا رحالِهم في الجنَّةِ‏.‏ والبخاريِّ القائِلِ‏:‏ ما اغْتَبْتُ أحداً مُذْ عَلِمْتُ أنَّ الغَيْبَةَ حرامٌ‏.‏ وحُجَّتُهم التوصُّلُ بذلك لصونِ الشريعةِ، وأنَّ حَقَّ اللهِ ورسولِه هو المُقَدَّمُ‏.‏

‏(‏ولَقَدْ أحْسَنَ‏)‏ الإمامُ ‏(‏يَحْيَى‏)‏ بنُ سعيدٍ القَطَّانُ ‏(‏في جَوابِهِ‏)‏ لأبي بكرِ بنِ خَلاَّدٍ حِينَ قالَ له‏:‏ أمَا تَخْشَى أنْ يَكُونَ هؤلاءِ الذينَ تَرَكْتَ حَدِيثَهم خُصماءَكَ عندَ اللهِ يَوْمَ القِيامةِ‏؟‏ ‏(‏وسَدّْ‏)‏ بمُهْملتيْنِ؛ أولاهما مفتوحةٌ‏,‏ أي‏:‏ وُفِّقَ للسدادِ‏,‏ وهو الصوابُ والقصدُ من القولِ والعملِ حيثُ قالَ‏:‏ ‏(‏لَأَنْ يَكُونُوا‏)‏ أي‏:‏ المَتْرُوكونَ ‏(‏خُصمَاءَ لِي أحَبّْ‏)‏ إليَّ ‏(‏مِن كونِ خَصْمِي المُصْطَفَى‏)‏ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ‏(‏إذْ لَمْ أَذُبّْ‏)‏ بفتحِ الهمزةِ وضَمِّ الذالِ المعجمةِ ثم مُوحَّدَةٍ‏,‏ أي‏:‏ أمْنَعِ الكذبَ عن حديثِه وشَرِيعتُه؛ ولذا رَأَى رجُلٌ عندَ موتِ ابنِ مَعِينٍ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وأصحابَه مُجْتَمِعِينَ‏,‏ فسَأَلَهم عن سببِ اجتماعِهم، فقالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ‏:‏ ‏(‏جِئْتُ لأُصَلِّي عَلَى هَذَا الرَّجُلِ فإِنَّهُ كَانَ يَذُبُّ الكَذِبَ عَنْ حَدِيثِي‏)‏‏.‏ ونُودِيَ بينَ نَعْشِه هذا الذي كانَ يَنْفِي الكذبَ عن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ‏,‏ ثم رُؤِيَ في النومِ، فقِيلَ له‏:‏ ما فَعَلَ اللهُ بكَ‏؟‏ قالَ‏:‏ غَفَرَ لي وأعْطَانِي وحَبَانِي وزَوَّجَنِي ثَلاثَمائةِ حَوْرَاءَ‏,‏ وأدخَلَنِي عليه مَرَّتَيْنِ‏.‏ وقيلَ فيه‏:‏

ذَهَبَ العليمُ بعَيْبِ كُلِّ مُحدَّثٍ *** وبكلِّ مُخْتَلِفٍ وفي الإسنادِ

وبكُلِّ وَهْمٍ في الحديثِ ومُشْكِلٍ *** يُعْنَى به علماءُ كُلِّ بِلادِ

فإنْ قيلَ‏:‏ قد شَغَفَ جماعةً من المتأخِّرِينَ القائمِينَ بالتاريخِ وما أشْبَهَهُ؛ كالذَّهَبِيِّ ثم شَيْخِنا بذكْرِ المعايبِ ولو لم يَكُنِ المُعابُ من أهلِ الروايةِ، وذلك غَيْبَةٌ مَحْضَةٌ؛ ولذا تَعَقَّبَ ابنُ دَقِيقِ العيدِ ابنَ السَّمْعانِيَّ في ذِكْرِه بعضَ الشعراءِ وقَدَحَ فيه بقولِه‏:‏ إذا لم يُضْطَرَّ إلى القَدْحِ فيه للروايةِ لم يَجُزْ‏.‏ ونحوُه قولُ ابنِ المُرابِطِ‏:‏ قد دَوَّنتُ الأخبارَ، وما بَقِيَ للتجريحِ فَائِدَةٌ‏,‏ بل انقطَعْتُ من رأسِ الأربعِمائةِ، ودندنَ هو غيرُه مِمَّن لم يَتدَبَّرْ مَقالَه بعيبِ المُحَدِّثِينَ بذلك، قُلْتُ‏:‏ الملحوظُ في تَسويغِ ذلك كونُه نَصِحيةً ولا انحصارَ لها في الروايةِ‏,‏ فقد ذَكَروا من الأماكنِ التي يَجوزُ فيها ذِكْرُ المرءِ بما يَكرَه ولا يُعَدُّ ذلك غِيبَةً، بل هو نَصِيحَةٌ وَاجِبَةٌ‏,‏ أنْ تَكونَ للمذكورِ وِلايةٌ لا يَقومُ بها على وَجْهِها، إِمَّا بأنْ لا يَكُونَ صالحاً لها، وإمَّا بأنْ يَكُونَ فاسقاً أو مُغَفَّلاً أو نحوَ ذلك، فيُذْكَرُ ليُزالَ بغيرِه مِمَّن يَصْلُحُ، أو يَكونَ مُبْتَدِعاً أو فاسقاً ويَرَى مَن يَتردَّدُ إليه للعلمِ ويُخَافُ عليه عَوْدُ الضررِ من قِبَلِه ببيانِ حالِه، ويَلْتَحِقُ بذلك المتساهلُ في الفَتْوَى أو التصنيفِ أو الأحكامِ أو الشهاداتِ أو النَّقْلِ، أو المُتساهِلُ في ذكرِ العلماءِ أو في الرشاءِ والارتشاءِ؛ إمَّا بتعاطيهِ له‏,‏ أو بإقرارِه عليهِ معَ قُدْرتِه على منعِه‏,‏ وآكْلِ أموالِ الناسِ بالحِيَلِ والافتراءِ‏,‏ أو الغاصِبُ لكُتُبِ العلمِ من أربابِها أو المساجدِ‏,‏ بحيثُ تَصِيرُ مِلْكاً‏,‏ أو غيرُ ذلك من المُحرَّماتِ‏,‏ فكلُّ ذلك جَائِزٌ أو وَاجِبٌ‏,‏ ذكَرَه ليُحْذَرَ ضَرَرُه، وكذا يَجِبُ ذِكْرُ المُتجاهِرِ بشيءٍ مِمَّا ذُكِرَ ونحوِه من بابِ أَوْلَى، قالَ شَيْخُنا‏:‏ ويَتأكَّدُ الذكرُ لكلِّ هذا في حقِّ المُحدِّثِ؛ لأنَّ أصلَ وَضْعِ فنِّه بيانُ الجَرْحِ والتعديلِ، فمَن عَابَه بذِكْرِه لَعَيْبِ المجاهِرِ بالفسقِ أو المُتَّصِفِ بشيءٍ مِمَّا ذُكِرَ فهو جَاهِلٌ أو ملبسٌ أو مُشارِكٌ له في صِفَتِه فيُخْشَى أنْ يَسْرِيَ إليهِ الوَصْفُ‏.‏

نعم لا يَجوزُ التجريحُ بشيئيْنِ إذا حصََل بواحدٍ، فقدْ قالَ العِزُّ بنُ عبدِ السلامِ في قواعِدِه‏:‏ إنَّه لا يَجوزُ للشاهدِ أنْ يُجرِّحَ بذنبيْنِ مهما أمْكَنَ الاكتفاءُ بأحَدِهما؛ فإنَّ القدحَ إنَّما يجوزُ للضرورةِ فليُقَدِّرْ بقَدْرِها، ووَافَقَه عليه القِرافِيُّ، وهو ظَاهِرٌ‏.‏‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌

وقد قَسَّمَ الذَّهَبِيُّ مَن تَكَلَّمَ في الرجالِ أَقْساماً، فقِسمٌ تَكَلَّموا في سائرِ الرواةِ؛ كابنِ مَعِينٍ وأبي حَاتِمٍ، وقِسْمٌ تَكَلَّموا في كثيرٍ من الرواةِ؛ كمالكٍ وشُعبَةَ، وقِسْمٌ تَكَلَّموا في الرجُلِ بعدَ الرجُلِ؛ كابنِ عُيَيْنَةَ والشافعيِّ، قالَ‏:‏ وهم الكلُّ على ثلاثةِ أقسامٍ أيضاً‏:‏ قسمٌ منهم مُتعنِّتٌ في التوثيقِ، مُتَثَبِّتٌ في التعديلِ يَغْمِزُ الرَّاوِيَ بالغلطتيْنِ والثلاثِ، فهذا إذا وَثَّقَ شخصاً فعَضَّ على قولِه بنَواجِذِكَ، وتَمَسَّكْ بتوثيقِه، وإذا ضَعَّفَ رَجُلاً فانظُرْ هل وَافَقَه غيرُه على تضعيفِه، فإنْ وَافَقَه ولم يُوَثِّقْ ذاك الرجُلَ أحدٌ من الحُذَّاِق فهو ضعيفٌ، وإنْ وَثَّقَه أحدٌ‏,‏ فهذا هو الذي قالوا‏:‏ لا يُقْبَلُ منه الجرحُ إِلاَّ مُفَسَّراً‏,‏ يعني لا يَكْفِي فيه قولُ ابنِ مَعِينٍ مثلاً‏:‏ هو ضعيفٌ‏.‏ ولم يُبَيِّنْ سَبَبَ ضَعْفِه، ثم يَجِيءُ البخاريُّ وغيرُه يُوَثِّقُه‏,‏ ومثلُ هذا يُخْتَلَفُ في تصحيحِ حديثِه وتضعيفِه‏,‏ ومَن ثَمَّ قالَ الذَّهَبِيُّ‏,‏ وهو من أهلِ الاستقراءِ التامِّ في نقدِ الرجالِ‏:‏ لم يَجْتَمِعِ اثنانِ من عُلماءِ هذا الشأنِ قَطُّ على توثيقِ ضَعِيفٍ ولا على تَضعيفِ ثِقَةٍ‏.‏ انْتَهَى‏.‏

ولهذا كانَ مذهَبُ النَّسائيُّ أنْ لا يُتْرَكَ حديثُ الرجلِ حتى يَجتمِعَ الجميعُ على تركِه‏,‏ كما تَقدَّمَ معَ تَرْجِيحِه بما يَحْسُنُ استحضارُه هنا، وقِسمٌ منهم مُتسَمِّحٌ؛ كالتِّرْمذِيِّ والحاكِمِ‏,‏ قُلْتُ‏:‏ وكابنِ حَزْمٍ فإِنَّه قالَ في كلٍّ من أبي عِيسَى التِّرْمذِيِّ وأبي القاسمِ البغويِّ وإسماعيلَ بنِ محمدٍ الصَّفَّارِ وأبي العَبَّاسِ الأصَمِّ وغيرِهم من المشهورِينَ‏:‏ إنَّه مَجْهولٌ‏.‏ وقِسْمٌ مُعتدِلٌ؛ كأحمدَ والدَّارَقُطْنِيِّ وابنِ عَدِيٍّ‏.‏

‏(‏و‏)‏ لوجودِ المُتشَدِّدِ ومقابلِه نَشَأَ التوقُّفُ في أشياءِ من الطَّرَفَيْنِ، بل ‏(‏رُبَّمَا رُدَّ كلامُ‏)‏ كلٍّ من المُعدِّلِ و ‏(‏الجارحِ‏)‏ معَ جلالتِه وإِمامَتِه ونَقْدِه ودِيانَتِه؛ إمَّا لانفرادِه عن أئِمَّةِ الجَرْحِ والتعديلِ؛ كالشافعيِّ رَحِمَه اللهُ في إبراهيمَ بنِ محمدِ بنِ أَبِي يَحْيَى؛ فإِنَّه كما قالَ النَّوَوِيُّ‏:‏ لم يُوثِّقْهُ غيرُه‏.‏ وهو ضَعِيفٌ باتِّفاقِ المُحدِّثِينَ، لكنْ قد اعتَذَرَ الساجيُّ عن الشافعيِّ بأنَّه لم يُخَرِّجْ عنه إلاَّ في الفضائلِ، يعني وهم يَتسامَحُونَ فيها، وتُعُقِّبَ بأنَّ الموجودَ خَلافُه، وابنُ حِبَّانَ بأنَّ مَجالَسَتَه لإبراهيمَ كانَتْ في حَداثتِه‏.‏

وعلى كلِّ حالٍ فقد اختارَ ابنُ الصلاحِ كما مَضَى في مَحلِّه أنَّ الإمامَ الذي له أتباعٌ يُقلِّدونَه فيما يَذْهَبُ إليهِ‏,‏ إذا احْتَجَّ براوٍ ضَعَّفَه غيرُه كانَ ذلك الراوي حُجَّةً في حقِّ مَن قَلَّدَ ذلك الإمامَ، أو لتَحامُلِه ‏(‏كالنَّسائِي‏)‏ بالإسكانِ للوزنِ، صاحبِ ‏(‏السُّنَنِ‏)‏ ‏(‏في أحمدَ بنِ صالحِ‏)‏ أبي جَعْفَرٍ المِصْرِيِّ الحافظِ المعروفِ بابنِ الطَّبَرِيِّ‏,‏ حيثُ جَرَّحَه فيما نَقَلَه عنه ابنُ عبدِ الكريمِ بقولِه‏:‏ ليسَ بثِقَةٍ ولا مأمونٍ‏,‏ ترَكَه محمدُ بنُ يَحْيَى ورَمَاهُ يَحْيَى بالكذبِ، وقالَ في موضعٍ آخرَ‏:‏ ثَنَا معاويةُ بنُ صالحٍ‏,‏ سَمِعْتُ ابنَ مَعِينٍ يقولُ‏:‏ أحمدُ بنُ صالحٍ كَذَّابٌ يَتفَلْسَفُ‏.‏ انتَهَى‏.‏

فإنَّه- كما قالَ أبو يَعْلَى الخَلِيلِيُّ- مِمَّن اتَّفَقَ الحُفَّاظُ على أنَّ كلامَه فيهِ تَحامُلٌ قالَ‏:‏ ولا يَقْدَحُ كلامُ أمثالِه فيهِ‏.‏ وقالَ الذَّهَبِيُّ في ‏(‏الميزانِ‏)‏‏:‏ إِنَّه آذَى نفسَه بكلامِه فيه‏,‏ والناسُ كُلُّهم مُتَّفِقونَ على إمامتِه وَثِقَتِه، واحْتَجَّ به البخاريُّ في صحيحِه، وقالَ‏:‏ إِنَّه ثقةٌ صدوقٌ، ما رأيتُ أحداً يَتكلَّمُ فيه بحُجَّةٍ، كانَ أحمدُ وابنُ نُمَيْرٍ وغيرُهما يُثَبِّتُونَه، وكانَ يَحْيَى- يعني ابنَ مَعِينٍ- يقولُ‏:‏ سَلُوه؛ فإنَّه ثَبَتٌ‏.‏ ومِمَّن وَثَّقَه العِجْلِيُّ، وقالَ‏:‏ صَاحِبُ سُنَّةٍ، وأبو حَاتِمٍ، وقالَ ابنُ يُونَسَ‏:‏ لم يكُنْ عندَنا‏.‏ كما قالَ النَّسائِيُّ‏:‏ لم تَكُنْ له آفةٌ غيرَ الكِبْرِ‏.‏ والسببُ في كلامِ النسائيِّ فيه ما ذَكَرَه أبو جَعْفَرٍ العُقَيلِيُّ أنَّ أحمدَ لم يَكُنْ يُحدِّثُ أحداً حتى يَسْأَلَ عنه‏,‏ فجَاءَه النسائيُّ، وقد صَحِبَ قوماً من أصحابِ الحديثِ، لَيْسُوا هناكَ، فأَبَى أحمدُ أنْ يَأْذَنَ له، فعَمِدَ النسائيُّ إلى جمعِ أحاديثَ قَدْ غَلِطَ فيها ابنُ صَالِحٍ فشَنَّعَ بها ولم يَضُرَّه ذلك‏.‏

وكذا قالَ ابنُ عَدِيٍّ‏:‏ سَمِعْتُ محمدَ بنَ هارونَ الرَّقيَّ يقولُ‏:‏ إنَّه حضَرَ مجلسَه فطَرَدَه منه فحَمَلَه ذلك على التكَلُّمِ فيه، وأمَّا ما رواهُ من كلامِ ابنِ مَعِينٍ فيه فجَزَمَ ابنُ حِبَّانَ بأنَّه اشْتَبَه عليهِ، فالذي تَكلَّمَ فيه ابنُ مَعِينٍ إِنَّما هو أحمدُ بنُ صَالِحٍ الشموميُّ المِصريُّ شيخٌ بمَكَّةَ، كانَ يَضَعُ الحديثَ، سَأَلَ مُعاويةُ عنه يَحْيَى، فأمَّا هذا فهو يُقارِنُ ابنَ مَعِينٍ في الحِفْظِ والإتقانِ، وقَوَّاُه شيخُنا بنقلِ البخاريِّ في هذا عن ابنِ مَعِينٍ‏,‏ كما حَكَيْناه أنَّه ثَبَتٌ، على أنَّ ابنَ يُونُسَ قدْ رَدَّ قولَ ابنِ مَعِينٍ أنْ لو كانَ في أبي جَعْفَرٍ بقولِه‏:‏ لَعلَّ ابنَ مَعِينٍ لا يَدْرِي ما الفلسفةُ؛ فإِنَّه ليسَ من أهلِها؛ ولذا كانَ أحَدَ الأَوْجُهِ الخمسةِ التي تدخُلُ الآفةُ منها في ذلك‏,‏ كما ذَكَرَه ابنُ دقيقِ العيدِ، وقالَ‏:‏ إنَّه مُحْتاجٌ إليه في المتأخِّرِينَ أكثرَ؛ لأنَّ الناسَ انتشَرَتْ بينَهم أنواعٌ من العلومِ المُتقدِّمَةِ والمتأخِّرَةِ حتى علومِ الأوائلِ، وقد عُلِمَ أنَّ علومَ الأوائلِ قد انقَسَمَتْ إلى حقٍّ وباطلٍ، فمِن الحقِّ عِلْمُ الحسابِ والهَنْدَسَةِ والطِّبِّ، ومن الباطلِ ما يَقولُونَه في الطَّبيعِيَّاتِ وكَثيرٍ من الإلهيَّاتِ وأحكامِ النُّجومِ، وقد تَحدَّثَ في هذه الأمورِ أقوامٌ، فيَحتاجُ القادِحُ بسببِ ذلك أنْ يَكُونَ مُمَيِّزاً بينَ الحقِّ والباطلِ؛ لِئَلاَّ يُكَفِّرَ مَن ليسَ بكافرٍ أو يَقبَلُ روايةَ الكَافِرِ، والمُتقدِّمونَ قد استراحوا من هذا؛ لعدمِ شُيوعِ هذه الأمورِ في زَمانِهم، ونحوُه قولُ غيرِه‏:‏ إِنَّه مِمَّا يَنْبَغِي اعتمادُه في الجارحِ والمُعَدِّلِ أنْ يَكُونَ عَالِماً باختلافِ المذاهبِ، فيُجَرِّحَ عندَ المالكيِّ مَثَلاً بشُرْبِ النَّبيذِ مُتأوِّلاً؛ لأنَّه يراه قَادِحاً دونَ غيرِه؛ إذ لو لم نَعْتَبِرْ ذلك لكانَ الجارِحُ أو المُعَدِّلُ غَارًّا لبعضِ الحُكَّامِ حتى يَحْكُمَ بقولِ مَن لا يَرَى قبولَ قولِه، وهو نوعٌ من الغِشِّ‏.‏

وهنا لطيفةٌ مُعتَرِضةٌ وهي أنَّ أحمدَ بنَ صالحٍ هذا تَكَلَّمَ في حَرْمَلةَ صاحبِ الشافعيِّ، فقالَ ابنُ عَدِيٍّ‏:‏ إنَّه تَحامَلَ عليه، وسَبَبُه أنَّ أحمدَ سَمِعَ في كتبِ حَرْمَلَةَ من ابنِ وَهْبٍ فأعْطَاهُ نِصْفَ سماعِه ومَنَعَه النصفَ، فتَوَلَّدَتْ بينَهما العداوةُ من هذا، وكانَ مَن يَبْدَأُ بحَرْمَلَةَ إذا دخَلَ مصرَ لم يُحَدِّثْهُ أحمدُ بنُ صَالِحٍ، قالَ‏:‏ ما رَأَيْنا أحداً جمَعَ بينَهما، وكأنَّ مرادَه من الغرباءِ، وإلاَّ فقد جمَعَ بينَهما أحمدُ بنُ رِشْدِينَ شيخُ الطَّبَرانيِّ، فجُوزِيَ أحمدُ بنُ صالحٍ بما تَقدَّمَ‏.‏

وَلْنرجِعْ إلى ما نحن فيه؛ ولذا قِيلَ في كلٍّ من الجرحِ والتعديلِ‏:‏ إِنَّه لا يُقْبَلُ إلاَّ مُفَسَّراً‏,‏ لا سِيَّما وقد اسْتَفْسَرَ جماعةٌ مِمَّن جَرَّحَ أو عَدَّلَ فذَكَروا ما لا يَقْتَضِي واحداً منهما‏,‏ كما تَقرَّرَ في معرفةِ مَن تُقْبَلُ روايتُه معَ فوائدَ مُهمَّةٍ، وأنَّ المُعْتمَدَ قبولُهما من العارفِ بأسبابِهما بدونِ تَفْسِيرٍ، في آخرينَ غَيْرِ النسائيِّ من الحُفَّاظِ المُتقَدِّمِينَ وغيرِهم، أوْرَدَ ابنُ عَبْدِ البرِّ في جامعِ العلمِ له عنهم أموراً كثيرةً، وحَكَمَ بأنه لا يُلْتَفَتُ إليها، وحَمَلَ بعضَها على أنها خَرَجَتْ عن غضبٍ‏,‏ وجَرَّحَ من قالها أو نحوُ ذلك‏.‏

‏(‏فرُبَّمَا كانَ لجَرْحٍ مَخْرَجُ‏)‏ أي‏:‏ مَخْلَصٌ صحيحٌ يزولُ به، ولكنْ ‏(‏غَطَّى عليه السُّخْطُ‏)‏ وحُجِبَ عنه الفِكْرُ ‏(‏حِينَ يَحْرُجُ‏)‏ بحاءٍ مهملةٍ ثم راءٍ مَفْتوحةٍ وجيمٍ‏,‏ أنْ يَضِيقَ صَدْرُه بسببٍ نَالَه؛ لأنَّ الفَلَتاتِ من الأنفسِ لا يُدَّعَي العِصْمَةُ منها؛ فإنَّه رُبَّما حصَلَ غضبٌ لمَن هو من أهلِ التقْوَى فبَدَرَتْ منه بادرةُ لفظٍ فحَبْكُ الشيءِ يُعْمِي ويُصِمُّ‏,‏ لا أنَّهم معَ جَلالَتِهم ووُفورِ دِيانتِهم تَعَمَّدوا القدحَ بما يَعْلَمونَ بُطْلانَه، حاشاهم‏,‏ وكلٌّ تَقِيٌّ من ذلك‏.‏

ثم إنَّ أكثرَ ما يَكُونُ هذا الداءُ في المتعاصِرِينَ، وسَبَبُه غالباً مِمَّا هو في المُتأخِّرِينَ أكثرُ المنافسةِ في المراتبِ، ولكنْ قد عَقَدَ ابنُ عبدِ البَرِّ في جامعِه باباً لكلامِ الأقرانِ المُتعاصِرِينَ بعضِهم في بعضٍ، ورَأَى أنَّ أهلَ العلمِ لا يُقْبَلُ الجرحُ فيهم إلاَّ ببيانٍ واضحٍ، فإن انضَمَّ لذلك عداوةٌ فهو أَوْلَى بعدمِ القَبولِ، ولو كانَ سَبَبُ تلك العداوةِ الاختلافَ في الاعتقادِ؛ فإنَّ الحاذِقَ إذا تأمَّلَ ثَلْبَ أبي إسحاقَ الجُوزجانيِّ لأهلِ الكوفةِ رَأَى العَجَبَ؛ وذلك لشِدَّةِ انحرافِه في النصبِ وشُهْرَةِ أهْلِها بالتشَيُّعِ‏,‏ فتَرَاهُ لا يَتوَقَّفُ في جرحِ مَن ذَكَرَه منهم بلسانٍ ذَلَقٍ وعبارةٍ طَلِقَةٍ، حتى إنَّه أخَذَ يُلَيِّنُ مثلَ الأعمشِ وأبي نُعَيمٍ وعُبَيدِ اللهِ بنِ مُوسَى وأساطِينَ الحديثِ وأركانَ الرِّوايةِ، فهذا إذا عارَضَه مثلُه أو أكثرُ منه فوَثَّقَ رَجُلاً مِمَّن ضَعَّفَه هو قبلَ التوثيقِ‏,‏ ويَلْتَحِقُ به عبدُ الرحمنِ بنُ يُوسُفَ بنِ خِرَاشٍ المُحَدِّثُ الحافِظُ؛ فإنَّه من غُلاةِ الشيعةِ‏,‏ بل نُسِبَ إلى الرَّفْضِ، فيتأتَّى في جَرْحِه لأهلِ الشامِ للعداوةِ البَيِّنَةِ في الاعتقادِ، وكذا كانَ ابنُ عُقْدَةَ شِيعِيًّا‏,‏ فلا يُسْتَغْرَبُ منه أنْ يَتعَصَّبَ لأهلِ الرفْضِ؛ ولذا كانتِ المخالفةُ في العقائِدِ أحدَ الأوجُهِ الخمسةِ التي تدخُلُ الآفةُ منها؛ فإِنَّها- كما قالَ ابنُ دقيقِ العبدِ- أَوْجبَتْ تَكفيرَ الناسِ بعضِهم لبعضٍ‏,‏ أو تبديعَهم، وأوجبتْ عصبةً اعتقدوها دِيناً يَتدَيَّنونَ ويَتقرَّبونَ بهِ إلى اللهِ تعالى، ونَشَأَ من ذلك الطعْنُ بالتكفيرِ أو التبديعِ، قالَ‏:‏ وهذا موجودٌ كثيراً في الطبقةِ المتوسِّطَةِ من المتقدِّميِنَ، بل قالَ شيخُنا‏:‏ إِنَّه موجودٌ كثيراً قديماً وحديثاً، ولا ينبغي إطلاقُ الجرحِ بذلك، فقد قَدَّمْنا تحقيقَ الحالِ في العملِ بروايةِ المُبْتدعةِ‏,‏ وحَكَيْنا كلامَ الشافعيِّ هناك آخِرَ المسألةِ‏.‏

ويَلتحِقُ بهذا مِمَّا جعَلَه ابنُ دقيقِ العيدِ وَجْهاً مُستقِلاًّ الاختلافُ الواقِعُ بينَ المُتصوِّفةِ وأصحابِ العلومِ الظاهرةِ، فقد وقَعَ بينَهم تَنافُرٌ أوْجَبَ كلامَ بعضِهم في بعضٍ قالَ‏:‏ وهذهِ غَمْرَةٌ لا يَخْلُصُ منها إلا العالِمُ الوافي بشواهدِ الشريعةِ، ولا أحصُرُ ذلك في العلمِ بالفروعِ المذهبيَّةِ، فإنَّ كثيراً من أحوالِ المُحَقِّقِينَ من الصوفيَّةِ لا يَفِي بتَمْيِيزِ حِقِّه من باطِلِه علمُ الفروعِ، بل لا بُدَّ معَ ذلك من مَعْرفةِ القواعدِ الأصوليَّةِ، والتمييزِ بينَ الواجبِ والجائِزِ، والمُستحيلِ العقليِّ والمستحيلِ العاديِّ، فقد يَكونُ المُتمَيِّزُ في الفِقْهِ جاهلاً بذلك، حتى يَعُدَّ المستحيلَ عادةً مُستحيلاً عَقْلاً، وهذا المقامُ خَطَرٌ شديدٌ؛ فإنَّ القادحَ في المُحِقِّ من الصوفيَّةِ مُعادٍ لأولياءِ اللهِ، وقدْ قالَ فيما أخْبَرَ عنه نبيُّه صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ‏:‏ ‏(‏مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ بَارَزَنِي بِالْمُحَارَبَةِ‏)‏‏.‏

والتارِكُ لإنكارِ الباطلِ مِمَّا يَسمَعُه عن بعضِهم تارِكٌ للأمرِ بالمعروفِ والنهْيِ عن المُنكَرِ، عاصٍ للهِ تعالى بذلك، فإنْ لم يُنْكِرْ بقلبِه فقد دخَلَ تحتَ قولِه صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ‏:‏ ‏(‏وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ‏)‏‏.‏ فإذا انضَمَّا- أعني الاختلافَ بينَ المُتصوِّفةِ وأهلِ علمِ الظاهرِ والمخالفةِ في العقائدِ- معَ الوجهيْنِ المَاضِييْنِ؛ وهما الجَهْلُ بمراتَبِ العلومِ والغَرَضُ والهَوَى، وانضافَ إليها عَدَمُ الوَرَعِ والأخذُ بالتوَهُّمِ والقرائنِ التي قد تَتخَلَّفُ- كانت الأوجهُ الخَمْسةُ، التي ذكَرَ ابنُ دَقِيقِ العيدِ في

‏(‏الاقتراحِ‏)‏ أنَّها لا تدخُلُ الآفةُ في هذا البابِ‏,‏ منها، وقالَ في خَامِسِها‏:‏ إِنَّ من فَعَلَ ذلك‏,‏ أي‏:‏ أخَذَ بالتوَهُّمِ والقرائنِ فقَدْ دخَلَ تحتَ قولِه صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ‏:‏ ‏(‏إِيَّاكَ وَالظَّنَّ؛ فَإِنَّ الظَّنَّ أكْذَبُ الحَدِيثِ‏)‏‏.‏ قُلْتُ‏:‏ لا سِيَّمَا وقدْ جاءَ عن عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنه أن احْمَلْ أمْرَ أخِيكَ على أحْسَنِه، ولا تَظْنُنْ بكلمةٍ خَرَجَتْ منه سُوءاً وأنتَ تَجِدُ لها في الخيرِ مَحْملاً‏.‏ انْتَهَى‏.‏

وهذا ضَرَرٌ عظيمٌ فيما إذا كانَ الجارِحُ مَعروفاً بالعلمِ وكانَ قَلِيلَ التَّقْوَى، فإنَّ عِلْمَه يَقْتَضِي أنْ يُجْعَلَ أهلاً لسماعِ قولِه وجَرْحِه، فيَقَعُ الخَلَلُ بسبِ قِلَّةِ وَرَعِه وأخْذِه بالتوَهُّمِ‏,‏ قالَ‏:‏ ولقد رَأَيْتُ رجلاً لا يختلفُ أهلُ عَصْرِنا في سماعِ قولِه إنْ جَرَّحَ ذَكَرَ له إنسانٌ أنَّه سَمِعَ من شيخٍ، فقالَ له‏:‏ أينَ سَمِعْتَ منه‏؟‏ فقالَ‏:‏ بمَكَّةَ أو قريباً من هذا، وقد كانَ جاءَ إلى مِصْرَ‏,‏ يعني في طريقِه للحَجِّ، فأنْكَرَ ذلك، وقالَ‏:‏ إِنَّه كانَ صَاحِبِي ولو جَاءَ إلى مِصْرَ لاجْتَمَعَ بي أو كما قالَ‏:‏ فانظُرْ إلى هذا التعليقِ بهذا الوَهْمِ البعيدِ والخيالِ الضعيفِ فيما أنْكَرَه، وقدْ أشارَ المُصنِّفُ إلى حَاصِلِها، وقالَ‏:‏ إِنَّه واضِحٌ جَلِيٌّ‏.‏

مَعْرِفَةُ مَن اخْتَلَطَ مِن الثِّقَاتِ

985- وفِي الثِّقَاتِ مَن أَخِيراً اخْتَلَطْ *** فما رَوَى فيه أو ابْهَمَ سَقَطْ

986- نحوُ عطاءٍ وهو ابنُ السائِبِ *** وكالْجُرَيْرِيِّ سعيدٍ وأَبِي

987- إسحاقَ ثم ابنِ أَبِي عَرُوبَةِ *** ثُمَّ الرَّقَاشِيِّ أبي قِلاَبَةِ

988- كذا حُصَيْنُ السُّلَمِيُّ الْكُوفِي *** وعارِمٌ مُحَمَّدٌ والثَّقَفِي

989- كذا ابنُ هَمَّامٍ بصَنْعَا إذْ عَمِي *** والرأيُ فيما زَعَمُوا والتَّوْأَمِي

990- وابنُ عُيَيْنَةٍ معَ الْمَسْعُودِي *** وآخِراً حَكَوْهُ في الْحَفِيدِ

991- ابنِ خُزَيْمَةٍ معَ الْغِطْرِيفِ *** مع الْقَطِيعِي أحمدَ المعروفِ

‏(‏معرفةُ مَن اختَلَطَ مِن الثِّقاتِ‏)‏ وكانَ الأنسبُ ذِكْرَه في مَن تُقْبَلُ رِوايتُه ومَن تُرَدُّ‏,‏ كما في الذي قبلَه، وهو فَنٌّ عَزِيزٌ مُهِمٌّ، وفائدةُ ضَبْطِهم تَمِييزُ المقبولِ من غيرِه؛ ولذا لم يذكُرِ الضعفاءَ منهم كأبي مَعْشَرٍ، نَجِيحِ بنِ عبدِ الرحمنِ السنديِّ المَدَنِيِّ؛ لأنَّهم غيرُ مَقْبولِينَ بدُونِه‏.‏

‏(‏وفِي الثِّقاتِ‏)‏ من الرواةِ ‏(‏مَن أَخِيراً اخْتَلَطْ‏)‏ أي‏:‏ مَن اختَلَطَ آخرَ عُمُرِه‏,‏ يعني غَالِباً‏,‏ وإلا فَلَيسَ قَيْداً فيه، وكذا قولُ مالكٍ‏:‏ إِنَّما يَخْرَفُ الكَذَّابونَ، وقولُ القاضي أَبِي الطَّيِّبِ الطَّبَرِيِّ لمَن تَعَجَّبَ من صِحَّةِ حَواسِّه بعدَ الزيادةِ على المائةِ‏:‏ ما عَصَيْتُ اللهَ بواحدٍ منها‏.‏ أو كما قالَ، محمولٌ على الغالبِ، وحَقِيقَتُه فسادُ العقلِ وعَدَمُ انتظامِ الأقوالِ والأفعالِ؛ إما بخَرَفٍ أو ضَرَرٍ أو مَرَضٍ أو عَرَضٍ من مَوْتِ ابنٍ وسَرِقَةِ مالٍ؛ كالمَسْعُودِيِّ، أو ذَهابِ كُتُبٍ كابنِ لَهِيعَةَ أو احتراقِها كابنِ المُلَقِّنِ‏.‏

‏(‏فَمَا رَوَى‏)‏ المُتَّصِفُ بذلك ‏(‏فيه‏)‏ أي‏:‏ في حالِ اختلاطِه، ‏(‏أوَ ابْهَمَ‏)‏ بنقلِ الهمزةِ مَبْنِيًَّا للفاعلِ، الأمرَ فيه وأشكَلَ بحيثُ لم نَعْلَمْ أروايتُه صَدَرَتْ في حالِ اتِّصافِه به أو قبلَه‏,‏ ‏(‏سَقَطْ‏)‏ حديثُه في الصورتيْنِ‏,‏ بخلافِ ما رواهُ قبلَ الاختلاطِ لثِقَتِه،

هكذا أطْلَقوه‏,‏ ومذهَبُ وَكيعٍ حَسْبَما نَقَلَه عنه ابنُ مَعِينٍ كما سيأتي في سعيدِ بنِ أبي عَرُوبةَ قريباً أنَّه إذا حَدَّثَ في حالِ اختلاطِه بحديثٍ واتَّفَقَ أنه كانَ حَدَّثَ به في حالِ صِحَّتِه فلم يُخالِفْه أنَّه يُقْبَلُ‏,‏ فلْيُحْمَلْ إطلاقُهم عليه، ويَتمَيَّزُ ذلك بالراوي عنه، فإِنَّه تارةً يكونُ سَمِعَ منه قبلَه فقط‏,‏ أو بعدَه فقط‏,‏ أو فيهما معَ التمييزِ وعَدَمِه‏.‏

وما يَقَعُ في الصحيحيْنِ أو أحَدِهما من التخريجِ لمَن وُصِفَ بالاختلاطِ من طريقِ مَن لم يَسْمَعْ منه إلا بعدَه؛ فإِنَّا نَعرِفُ على الجملةِ أنَّ ذلك مما ثَبَتَ عندَ المُخرِّجِ أنه من قديمِ حديثِه، ولو لم يَكُنْ مَن سَمِعَه منه قبلَ الاختلاطِ على شَرْطِه ولو ضَعِيفاً‏,‏ يُعْتَبَرُ بحديثِه فَضْلاً عن غيرِه؛ لحصولِ الأمنِ به من التَّغْيِيرِ، كما تَقدَّمَ مثلُه فيما يقَعُ عندَهما اجتماعاً وانفرداً من حديثِ المُدلِّسِ، بالعَنعَنةِ، ومن المُسْتخرَجاتِ غالباً يُستفادُ التصريحُ‏,‏ ومَن سَمِعَ قديماً مِمَّن اختلَطَ‏.‏

وأفرَدَ للمُختلطِينَ كتاباً الحافظُ أبو بكرٍ الحازميُّ حَسْبَما ذكَرَه في تصنيفِه تُحْفَةِ المُسْتفيدِ، ولم يَقِفْ عليه ابنُ الصَّلاحِ؛ فإِنَّه قالَ‏:‏ ولم أعْلَمْ أحداً أفْرَدَه بالتصنيفِ، واعْتَنَى به معَ كونِه حَقِيقاً بذلك جِدًّا، والعَلائِيُّ مُرَتِّباً لهم على حروفِ المعجمِ باختصارٍ، وذَيَّلَ عليه شيخُنا، وللبرهانِ الحلبيِّ الاغتباطُ بمن رُمِيَ بالاختلاطِ‏,‏ وأمثلتُه كثيرةٌ‏.‏‌‌

‏(‏نَحْوُ عَطَاءٍ وهُوَ‏)‏ بضمِّ الهاءِ ‏(‏ابنُ السَّائِبِ‏)‏ الثَّقَفِيُّ الكُوفِيُّ في أحدِ التابِعِينَ، فقد صَرَّحَ جماعةٌ من الأئمَّةِ باختلاطِه؛ كابنِ مَعِينٍ، ووصَفَه بعضُهم بالاختلاطِ الشديدِ، لكنْ قالَ ابنُ حِبَّانَ‏:‏ إنَّه اخْتَلَطَ بآخرِه، ولم يُفْحِشْ حتى يَسْتَحِقَّ أنْ يُعْدَلَ به عن مَسْلَكِ العدولِ‏.‏ انتهَى‏.‏

ومِمَّن سَمِعَ منه قبلَ الاختلاطِ فقط أيُّوبُ وحَمَّادُ بنُ زَيْدٍ وزائدةُ وزُهَيْرُ وابنُ عُيَينَةَ والثوريُّ وشُعْبَةُ ووُهَيْبٌ‏,‏ كما صرَّحَ به في الأولِ والأخيرِ الدارقطنيُّ‏,‏ وفي الثاني ابنُ المَدينِيِّ ويَحْيَى بنُ سَعِيدٍ القَطَّانُ والنَّسائِيُّ والعُقَيْلِيُّ، وفي الثالِثِ والرابعِ الطَّبَرانِيُّ، وفي الخامسِ الحُمَيديُّ، وفي السادسِ والسابعِ أحمدُ وابنُ مَعِينٍ وأبو حاتمٍ والنسائيُّ والطَّبَرانيُّ، وكذا يَحْيَى القَطَّانُ، ولكنَّه استثنَى حديثيْنِ سَمِعَهما منه شُعْبةُ بآخرةٍ عن زَاذَانَ، ومنهم حَمَّادُ بنُ سَلَمَةَ فيما قالَه العُقَيليُّ والدارقطنيُّ وابنُ الجارودِ، وقالَ بعضُهم‏:‏ بعدَه‏.‏ فالظاهرُ أنَّه سَمِعَ منه في الوقتيْنِ معاً، وكذا سَمِعَ منه في الوقتيْنِ معاً أبو عَوانَةَ فيما قالَه ابنُ المَدينِيِّ وابنُ مَعِينٍ، وزادَ أنَّه لا يُحْتَجّث بحديثِ أبي عَوانَةَ عنه، ومِمَّن سَمِعَ منه بعدَه فقط إسماعيلُ بنُ عُلَيَّةَ وجَرِيرُ بنُ عَبْدِ الحميدِ وخالدُ بنُ عبدِ اللهِ الوَاسِطِيُّ وابنُ جُرَيجٍ وعليُّ بنُ عَاصِمٍ ومحمدُ بنُ فُضَيلِ بنِ غزوانَ وهُشَيمٌ وسائرُ مَن سَمِعَ منه من البَصْرِيِّينَ في قُدْمَتِه الثانيةِ لها دونَ الأولى، وقد خَرَّجَ البخاريُّ في تفسيرِ سورةِ الكوثرِ من صحيحِه من روايةِ هُشَيمٍ عنه حَدِيثاً واحداً، لكنَّه مَقْروناً بأبي بِشْرٍ جَعْفَرِ بنِ أبي وَحْشِيَّةَ أحدِ الأثباتِ، لم يُخَرِّجْ له في الأولِ شيئاً‏.‏

‏(‏وكالجُرَيْرِيِّ‏)‏ بضمِّ الجيمِ وتشديدِ آخرِه، مُصَغَّرٌ، أبي مَسْعودٍ ‏(‏سعيدٍ‏)‏ وهو ابنُ إِيَاسٍ البصريُّ الثقةُ؛ فإِنَّه اختَلَطَ- كما قالَه ابنُ حِبَّانَ- قَبْلَ موتِه بثلاثِ سِنِينَ، قالَ‏:‏

ورآه يحيَى القطَّانُ وهو مُختلِطٌ، ولكنْ لم يَكُنْ اختلاطُه فَاشِياً؛ ولذا قالَ ابنُ عُلَيَّةَ‏:‏ لم يَخْتَلِطْ إنَّما كَبِرَ فَرَقَّ‏.‏ وقالَ أبو حَاتِمٍ‏:‏ تَغيَّرَ حِفْظُه قبلَ موتِه، فمَن كَتَبَ عنه قديماً فهو صَالِحٌ‏.‏ وقالَ يَحْيَى القَطَّانُ فيما رواهُ ابنُ سَعْدٍ عن كَهْمَسٍ عنه‏:‏ أنكَرْناه أيَّامَ الطاعونِ، وكذا قالَ النَّسائِيُّ‏:‏ ثِقَةٌ أنْكَرَ أيَّامَ الطاعونِ‏.‏ انتَهَى‏.‏

ومِمَّن سَمِعَ منه قبلَ تَغَيُّرِه، إسماعيلُ بنُ عُلَيَّةَ والحَمَّادانِ والثوريُّ وشُعبةُ وعبدُ الأعلى بنُ عبدِ الأعلى، وسَماعُه منه قبلَ تَغَيُّرِه بثمانٍ وسِتِّينَ؛ ولذلك قالَ العِجْلِيُّ‏:‏ إنَّه من أصَحِّهم عنه حَدِيثاً‏.‏ وعبدُ الوارثِ بنُ سَعِيدٍ وعبدُ الوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ ومَعْمَرٌ ووُهَيْبُ بنُ خَالِدٍ، ويَزِيدُ بنُ زُرَيعٍ؛ لقولِ أبي عُبَيدٍ الآجُرُّيِّ عن أبي داودَ‏:‏ كلُّ مَن أدْرَكَ أيُّوبَ السِّخْتِيانِيَّ فسَماعُه من الجُرَيْرِيِّ جَيِّدٌ، وكلُّ هؤلاءِ سَمِعُوا من أيُّوبَ، وبعدَ تَغَيُّرِه إسحاقُ الأزرقُ‏,‏ كما سيأتي قريباً، وابنُ المُبارَكِ ومحمدُ بنُ أَبِي عَدِيٍّ، وقالَ‏:‏ لا نَكذِبُ اللهَ، سَمِعْنا منه وهو مُخْتَلِطٌ، ويَحْيَى بنُ سعِيدٍ القَطَّانُ؛ ولذا لم يُحَدِّثْ عنه شيئاً‏,‏ ويَزِيدُ بنُ هَارُونَ، وقالَ- كما رواهُ ابنُ سَعْدٍ عنه-‏:‏ سَمِعْتُ منه في سَنَةِ اثنتيْنِ وأربعِينَ ومائةٍ، وهي أولُ سَنَةٍ دَخَلْتُ فيها البصرةَ ولم نُنْكِرْ منه شيئاً، وكانَ قيلَ لنا‏:‏ إِنَّه قد اختلَطَ، وسَمِعَ منه إسحاقُ الأزرقُ بعدَنا‏,‏ وحَدِيثُه عندَ الشيخيْنِ من حديثِ بِشْرِ بنِ المُفَضَّلِ، وخالدِ بنِ عبدِ الأعْلَى بنِ عبدِ الأعلى وعبِد الوارثِ عنه، وعندَ البخاريِّ فقط من حديثِ محمدِ بنِ عبدِ اللهِ الأنصاريِّ عنه، وعندَ مُسلمٍ فقط من حديثِ ابنِ عُلَيَّةَ وبِشْرِ بنِ مَنْصورٍ وجَعْفَرِ بنِ سُلَيْمانَ الضُّبَعِيِّ وأبي أُسامةَ حَمَّادِ بنِ أُسامةَ وحَمَّادِ بنِ سَلَمَةَ وسالِمِ بنِ نُوحٍ والثوريِّ وسُلَيْمانَ بنِ المغيرةِ وشعبةَ وابنِ المُبارَكِ وعبدِ الواحدِ بنِ زِيادٍ والثقفيِّ وعبدِ الوهَّابِ بنِ عَطَاءٍ الخَفَّافِ ووُهَيْبٍ وابنِ زُرَيعٍ ويَزِيدَ بنِ هَارُونَ عنه، وفي هؤلاءِ جَماعةٌ مِمَّن لم نَرَ التنصيصَ على كونِ سَماعِهم منه قبلَه أو بعدَه‏.‏

‏(‏و‏)‏ كـ ‏(‏أبِي إسْحَاقَ‏)‏ عَمْرِو بنِ عَبْدِ اللهِ السَّبِيعِيِّ الكُوفيِّ التابعيِّ أحدِ الأعلامِ الأثباتِ؛ فإِنَّه فيما قالَه الخَلِيلِيُّ‏:‏ اختَلَطَ، وكذا نَقَلَه الفَسَوِيُّ عن بعضِ أهلِ العلمِ، وأشارَ إلى أنَّ سماعَ ابنِ عُيَيْنَةَ منه بعدَ اختلاطِه، ونحوُه قولُ ابنِ مَعِينٍ‏:‏ إِنَّ ابنَ عُيَيْنَةَ سَمِعَ منه بعدَ ما تَغَيَّرَ، وأنكَرَ الذَّهَبِيُّ اختلاطَه، وقالَ‏:‏ بل شَاخَ ونَسِيَ‏.‏ يعني فإِنَّه قارَبَ المائةَ، قالَ‏:‏ وسَمِعَ منه ابنُ عُيَينَةَ وقدْ تَغَيَّرَ قليلاً‏.‏ وقالَ أحمدُ‏:‏ ثِقَةٌ، ولكنْ هؤلاءِ حَمَلوا عنه بآخرةٍ، وقد اتَّفَقَ الشيخانِ على التخريجِ له‏,‏ لا من جهةِ مُتأخِّرِي أصحابِه؛ كابنِ عُيَيْنَةَ ونحوِه، بل عن قُدمائِهِم حَفِيديْهِ؛ إسرائيلَ بنِ يُونُسَ ويُوسُفَ بنِ إسحاقَ، وزَكَرِيَّا وعُمَرَ ابنَيْ أبي زَائِدَةَ‏,‏ وزُهَيْرِ بنِ مُعاوِيَةَ والثوريِّ‏,‏ وهو أثبتُ الناسِ فيه، وأبي الأحْوَصِ سَلاَّمِ بنِ سُلَيْمٍ وشَرِيكٍ وشُعْبَةَ، وأخرَجَ له البخاريُّ فقط من حديثِ جَرِيرِ بنِ حازمٍ عنه، ومُسْلِمٌ فقط من حديثِ إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، ورقيةَ ابنِ مَصْقَلَةَ، والأعمشِ وسُلَيمانَ بنِ مُعاذٍ وعَمَّارِ بنِ رُزَيْقٍ ومالكِ بنِ معولٍ ومِسْعَرٍ عنه، واختُلِفَ في وفاتِه، فقِيلَ‏:‏ سَنَةَ سِتٍّ أو سبعٍ أو ثمانٍ أو تسعٍ وعِشرينَ ومائةٍ‏.‏

ومن التَّابِعِينَ أيضاً سعيدُ بنُ أبي سَعِيدٍ المَقْبُرِيُّ، قالَ الوَاقِدِيُّ‏:‏ إنَّه اختَلَطَ قبلَ موتِه بأربعِ سِنِينَ، ونحوُه قولُ يَعْقوبَ بنِ شَيْبَةَ‏:‏ إنه تَغيَّرَ وكَبِرَ واختلَطَ قبلَ موتِه يُقالُ‏:‏ بأربعِ سِنِينَ‏.‏ وكانَ شُعْبَةُ يقولُ‏:‏ حَدَّثنا سعيدٌ بعدَما كَبِرَ، وسِمَاكُ بنُ حَرْبِ بنِ أَوْسٍ الكُوفيُّ تَغَيَّرَ قبلَ موتِه‏,‏ فقالَ جَرِيرُ بنُ عبدِ الحميدِ‏:‏ أَتَيْتُه، فرَأَيْتُه يَبولُ قائماً فرَجَعْتُ، ولم أسْأَلْهُ عن شيءٍ‏,‏ وقُلْتُ‏:‏ قَدْ خَرِفَ‏.‏

‏(‏ثُمَّ‏)‏ بعدَهم جماعةٌ ‏(‏كابنِ أَبِي عَرُوبَةَ‏)‏ بفتحِ العينِ وضمِّ الراءِ المهملتيْنِ وبعدَ الواوِ مُوحَّدَةٌ ثم هَاءُ تأنيثٍ مَكْسورةٌ معَ اتِّزانِه، وما بعدَه بالإسكانِ أيضاً مِمَّا هو أوْلَى؛ لعدمِ ارتكابِ ضَرورةِ الصرفِ فيه، هو سعيدُ بنُ مِهْرَانَ العَدَوِيُّ البَصْرِيُّ ويُكَنَّى أبا النَّضْرِ، أحَدُ كبارِ الأئمَّةِ وثِقاتِهم، فإِنَّه مِمَّن اختلَطَ، قالَ أبو الفتحِ الأزْدِيُّ‏:‏ اختلاطاً قبيحاً‏,‏ وطَالَتْ مُدَّةُ اختلاطِه، واختُلِفَ في ابتدائِها، فقيلَ- كما لدُحَيمٍ وابنِ حِبَّانَ-‏:‏ إِنَّه كانَ في سَنَةِ خَمْسٍ وأربعِينَ ومائةٍ‏.‏ وقالَ ابنُ مَعِينٍ‏:‏ بعدَ هزيمةِ إبراهيمَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ حَسَنِ بنِ عَلِيِّ بنِ أبي طالِبٍ سنةَ اثنتيْنِ وأربَعِينَ، وهو غيرُ مُلْتئِمٍ؛ إذ هَزِيمةُ إبراهيمَ كانَتْ في سَنَةِ خَمْسٍ وأرْبَعِينَ‏,‏ بل وقُتِلَ في أواخرِ ذِي القَعْدَةِ منها، وحينَئذٍ فهو أمْرٌ مُوافِقٌ للأولِ، لكنْ حَكَى الذهليُّ عن عبدِ الوَهَّابِ الخَفَّافِ أنَّ اختلاطَه كانَ في سنةِ ثَمَانٍ وأربعينَ‏.‏ وقالَ يَزِيدُ بنُ زُرَيعٍ‏:‏ أوَّلُ ما أنكَرْناه يومَ ماتَ سُلَيْمَانُ التَّيمِيُّ، جِئْنَا من جِنازَتِه فقالَ‏:‏ مَن أينَ جِئْتُمْ‏؟‏ قُلْنا‏:‏ من جنازةِ سُلَيْمانَ التَّيْمِيِّ‏.‏ فقالَ‏:‏ ومَن سُلَيمانُ التَّيْمِيُّ‏؟‏ وكانَتْ وَفاةُ سُلَيمانَ سنةَ ثَلاثٍ وأربعِينَ، ويَتأيَّدُ بما حَكَاهُ ابنُ عَدِيٍّ في ‏(‏الكاملِ‏)‏ عن ابنِ مَعِينٍ أنَّه قالَ‏:‏ مَن سَمِعَ منه سنَةَ اثنتيْنِ وأربعِينَ فهو صحيحُ السماعِ، أو بعدَها فليسَ بشَيْءٍ‏.‏ وقالَ ابنُ السَّكَنِ‏:‏ كانَ يَزِيدُ بنُ زُرَيعٍ يقولُ‏:‏ إنَّ اختلاطَه كانَ في الطاعونِ‏.‏ يعني سَنَةَ اثنتيْنِ وثلاثِينَ ومائةٍ، وكانَ القَطَّانُ يُنْكِرُه ويَقولُ‏:‏ إِنَّما اختلَطَ قبلَ الهزيمةِ‏.‏ ويُجْمَعُ بينَهما بما قالَه البَزَّارُ‏:‏ إنَّه ابتدَأَ به الاختلاطُ سنةَ ثلاثٍ وثلاثينَ، ولم يَسْتَحْكِمْ ولم يُطْبِقْ به‏,‏ واستمَرَّ على ذلك إلى أن استحكَمَ به أخيراً، وعامَّةُ الرواةِ عنه سَمِعوا منه قبلَ الاستحكامِ‏,‏ وإِنَّما اعتبَرَ الناسُ اختلاطَه بما قالَه القَطَّانُ‏.‏

ومِمَّن سَمِعَ منه في حَالِ الصِّحَّةِ خالدُ بنُ الحارثِ ورَوْحُ بنُ عُبَادَةَ، وسرارُ بنُ مُجَشِّرٍ، وشُعَيبُ بنُ إسحاقَ وعبدُ الأعلى الساميُّ وعبدُ اللهِ بنُ المُبارَكِ وعبدُ الوَهَّابِ الثقفيُّ وعبدُ الوَهَّابِ بنُ عَطَاءٍ الخَفَّافُ وعَبْدَةُ بنُ سُلَيْمانَ ويَحْيَى القَطَّانُ ويَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ ويَزِيدُ بنُ هَارُونَ، كما قالَ بهِ في الأولِ والعاشرِ والحادي عَشَرَ ابنُ عَدِيٍّ‏,‏ وإنَّهم أثبتُ الناسِ فيه‏.‏

وفي الثاني أبو دَاوُدَ فيما حكاه أبو عُبَيدٍ الآجُرُّيُّ عنه بقولِه‏:‏ كانَ سَماعُه منه قبلَ الهزيمةِ، وفي الثالثِ النَّسائِيُّ فيما أشارَ إليهِ في سُنَنِه الكُبْرَى، وقالَ أبو عُبَيدٍ عن أبي دَاوُدَ‏:‏ إنَّ ابنَ مَهْدِيٍّ كانَ يُقَدِّمُه على يَزِيدَ بنِ زُرَيعٍ‏,‏ وهو من قدماءِ أصحابِ سعيدٍ‏.‏ وفي الرابعِ ابنُ حِبَّانَ فقالَ‏:‏ إِنَّه سَمِعَ منه سَنَةَ أربعٍ وأربعينَ قبلَ اختلاطِه بسَنَةٍ، وكذا قالَ ابنُ عَدِيٍّ‏:‏ إِنَّه هو والسابِعُ والتاسِعُ أرْوَاهم عنه بعدَ عبدِ الأعْلَى، وفي الخامسِ ابنُ عَدِيٍّ، وقالَ‏:‏ إِنَّه أرْوَاهم عنه، وابنُ المَوَّاقِ، ورَدَّ قولَ أبي الحَسَنِ بنِ القَطَّانِ‏:‏ إنَّه مُشْتَبِهٌ لا يَدْرِي قبلَ الاختلاطِ أو بعدَه‏.‏ فأجادَ في الرَدِّ، وفي السادِسِ، وكذا في الحادي عَشَرَ أيضاً ابنُ حِبَّانَ، وفي الثامنِ ابنُ سَعْدٍ، فقالَ‏:‏ سَمِعْتُه يقولُ‏:‏ جَالَسْتُ سعيداً سنَةَ سِتٍّ وثَلاثِينَ وفي التاسعِ ابنُ مَعِينٍ، وقالَ‏:‏ إِنَّه أثْبَتُ الناسِ فيهِ‏.‏ وكذا قالَ في الأخيرِ‏:‏ إِنَّه صَحِيحُ السماعِ منه سَمِعَ منه بوَاسِطَ وهو يُرِيدُ الكُوفَةَ، وقولُ التاسعِ عن نَفْسِه‏:‏ إِنَّه سَمِعَ منه في الاختلاطِ‏.‏ يَحتمِلُ أنَّه يُرِيدُ به بيانَ اختلاطِه وأنَّه لم يُحَدِّثْ بما سَمِعَه منه فيه‏.‏

ومِمَّن سَمِعَ منه في الاختلاطِ رَوْعُ بنُ عُبادَةَ فيما قالَه شَيْخُنا في المُقَدِّمَةِ وقدْ قَدَّمْتُ خلافَه، وابنُ مَهْدِيٍّ؛ فإِنَّ أبا دَاوُدَ فيما نقَلَه الآجُرُّيُّ عنه قالَ‏:‏ إِنَّ سَماعَه منه بعدَ الهزيمةِ، وأبو نُعَيْمٍ الفضلُ بنُ دُكَيْنٍ، فإِنَّه قالَ‏:‏ كَتَبْتُ عنه بعدَما اختَلَطَ حديثيْنِ، ومحمدُ بنُ جَعْفَرٍ غُنْدَرٌ‏,‏ ومحمدُ بنُ أَبِي عَدِيٍّ، والمُعافَى بنُ عِمْرانَ المَوْصِلِيُّ، ووَكِيعٌ؛ لقولِ ابنِ عَمَّارٍ المَوْصِلِيِّ الحافِظِ‏:‏ لَيْسَتْ رِوايَتُهما عنه بشيءٍ، إِنَّما سَماعُهما بعدَ ما اختَلَطَ، وقد قالَ ابنُ مَعِينٍ لثانيهما‏:‏ تُحَدِّثُ عن سعيدٍ، وإِنَّما سَمِعْتَ منه في الاختلاطِ‏؟‏‍‏!‏ فقالَ‏:‏ هل رَأَيْتَنِي حَدَّثْتُ عنه إلاَّ بحديثٍ مُسْتَوٍ‏.‏

حَكَى ذلك ابنُ الصلاحِ، وعن وَكِيعٍ أنَّه قالَ‏:‏ كُنَّا ندخُلُ عليه بعدَ الهزيمةِ فنَسْمَعُ، فما كانَ من صحيحِ حديثِه أخَذْناه‏,‏ وما لا طَرَحْناهُ‏,‏ وخَرَّجَ له الشيخانِ من روايةِ خالدٍ ورَوْحٍ وعبدِ الأعْلَى وابنِ زُرَيْعٍ المذكورِينَ وعبدِ الرحمنِ بنِ عُثْمانَ البكراويِّ ومحمدِ بنِ سواء السَّدُوسِيِّ ومحمدِ بنِ أَبِي عَدِيٍّ ويَحْيَى بنِ سَعيدٍ القَطَّانِ عنه، والبخاريُّ فقط من حديثِ بِشْرِ بنِ المُفَضَّلِ، وسَهْلِ بنِ يُوسُفَ وابنِ المُبارَكِ وعبدِ الوارثِ بنِ سَعِيدٍ وكَهْمَسِ بنِ المِنْهالِ ومحمدِ بنِ عبدِ اللهِ الأنصاريِّ عنه، ومسلمٌ فقط من حديثِ ابنِ عُلَيَّةَ وأبي أُسامَةَ وسَالِمِ بنِ نُوحٍ وسَعِيدِ بنِ عَامِرٍ الضُّبَعِيِّ وأَبِي خَالِدٍ سُلَيمانَ بنِ حَيَّانَ الأحمرِ وعبدِ الوَهَّابِ الخَفَّافِ وعَبْدَةَ وعَلِيِّ بنِ مُسْهِرٍ وعِيسَى بنِ يُونُسَ ومحمدِ بنِ بِشْرٍ العَبْدِيِّ ومحمدِ بنِ بكرِ البُرْسانِيِّ وغُنْدَرٍ، واختُلِفَ في موتِه فقِيلَ‏:‏ سَنَةَ خَمْسِينَ أو خَمْسٍ أو سِتٍّ أو سَبْعٍ وخَمْسِينَ ومائةٍ‏.‏

‏(‏ثُمَّ‏)‏ بعدَه جماعةٌ؛ كـ ‏(‏الرَّقَاشِيِّ‏)‏ بفتحِ الراءِ المُهملةِ وتخفيفِ القافِ المفتوحةِ ثم شِينٍ معجمةٍ وتشديدِ ياءِ النسبةِ، نِسْبَةً إلى امرأةٍ اسْمُها رَقَاشُ ابنةُ قَيْسٍ‏,‏ ‏(‏أَبِي قِلابَةِ‏)‏ بكسرِ القافِ وتخفيفِ اللامِ ثم مُوحَّدَةٍ ثم هاءِ تَأنيثٍ، ويُكَنَّى أيضاً أبا مُحَمَّدٍ لَكِنَّها أغْلَبُ، واسمُه عبدُ الملكِ بنُ محمدِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ محمدِ بنِ عبدِ الملكِ بنِ مُسلمٍ البَصْرِيِّ الحافظُ، رَوَى عنه من أصحابِ الكتبِ السِّتَّةِ ابنُ مَاجَهْ‏,‏ ومن غيرِهم خَلْقٌ‏,‏ منهم ابنُ جَريرٍ وابنُ خُزَيمةَ‏,‏ وهو الذي وَصَفَه بالاختلاطِ‏,‏ فقالَ‏:‏ ثَنَا أبو قِلابَةَ بالبَصْرَةِ قبلَ أنْ يَخْتَلِطَ ويَخرُجَ إلى بغدادَ‏.‏ انتَهَى‏.‏

ومِمَّن سَمِعَ منه أَخِيراً ببغدادَ أبو عَمْرٍو عُثْمانُ بنُ أحمدَ السَّمَّاكُ وأبو بكرٍ محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الشافعيُّ وغيرُهما، فعلَى قولِ ابنِ خُزَيمةَ سَمَاعُهم منه بعدَ الاختلاطِ وكانَتْ وَفاتُه في شَوَّالٍ سنَةَ سِتٍّ وسَبْعِينَ ومائتيْنِ‏.‏

و ‏(‏كَذَا‏)‏ مِمَّن كانَ قبلَ الاثنيْنِ المَذْكورَيْنِ قبلَه من المُخْتَلطِينَ ‏(‏حُصَيْنُ‏)‏ بمُهملتيْنِ مُصَغَّراً، ابنُ عبدِ الرحمنِ أبو الهُذَيْلِ ‏(‏السُّلَمِيُّ‏)‏ بضمِّ المهملةِ وتشديدِ آخرِه الكوفيُّ وابنُ عَمِّ منصورِ بنِ المُعْتَمِرِ، وبنسبتِه سُلَمِيًّا يَتميَّزُ عن جماعةٍ اسمُ كلٍّ منهم حُصَيْنُ بنُ عبدِ الرحمنِ الكوفيُّ، معَ أنَّ ابنَ الصلاحِ لم يَذْكُرْها، وهو أحَدُ الثقاتِ الأثباتِ المُتَّفَقِ على الاحتجاجِ بهم، فقدْ قالَ أبو حاتِمٍ‏:‏ إِنَّه ساءَ حِفْظُه في الآخرِ‏.‏ ونحوُه قولُ النَّسائِيِّ‏:‏ إِنَّه تَغَيَّرَ‏.‏ وقالَ الحَسَنُ الحُلْوانيُّ‏,‏ عن يَزِيدَ بنِ هارونَ‏:‏ إِنَّه اخْتَلَطَ‏.‏ ولذا جزَمَ ابنُ الصلاحِ بأنَّه اختَلَطَ وتَغَيَّرَ، وقالَ‏:‏ ذكَرَه النَّسائِيُّ وغَيْرُه، ولكنْ قَدْ أنْكَرَ ابنُ المَدِينِيِّ اختلاطَه‏.‏ وكذا قالَ عَلِيُّ بنُ عَاصِمٍ‏:‏ إِنَّه لم يَختلِطْ، وهو مِمَّن خَرَّجَ له الشيخانِ من روايةِ خالدِ بنِ عبدِ اللهِ الواسطيِّ والثوريِّ وشُعبَةَ وأبي زُبَيدٍ عشرِ بنِ القاسِمِ ومُحمدِ بنِ فُضَيلٍ وهُشَيْمٍ وأَبِي عَوَانَةَ الوَضَّاحِ عنه، والبُخاريِّ فقط من روايةِ حُصَيْنِ بنِ نُمَيْرٍ وزَائِدَةَ بنِ قُدَامةَ وسُلَيمانَ بنِ كَثِيرٍ العَبْدِيِّ وعبدِ العزيزِ بنِ عبدِ الصمدِ العَمِّيِّ وعبدِ العزيزِ بنِ مُسلمٍ وأبي كُدَيْنَةَ يَحْيَى بنِ المُهَلَّبِ وأبي بَكْرِ بنِ عَيَّاشٍ عنه، ومُسلمٌ فقط من روايةِ جَريرِ بنِ حَازِمٍ وزِيادِ بنِ عبدِ اللهِ البَكَّائِيِّ وأبي الأحوصِ سَلاَّمِ بنِ سُلَيْمٍ وعَبَّادِ بنِ العَوَّامِ وعبدِ اللهِ بنِ إدْرِيسَ عنه، وفي هؤلاء مَن سَمِعَ منه قبلَ الاختلاطِ كالواسطيِّ وزائدةَ والثوريِّ وشعبةَ، ومن سَمِعَ منه بعدَه كحُصَيْنٍ، وكانتْ وَفاتُه في سَنَةِ سِتٍّ وثَلاثِينَ ومِائةٍ عن ثلاثٍ وتِسْعِينَ سَنَةً‏.‏

‏(‏و‏)‏ كذا مِن المُخْتَلِطِينَ ‏(‏عَارِمٌ‏)‏ بمُهملتيْنِ‏,‏ ثانيهما مَكْسورةٌ‏,‏ بينَهما ألفٌ وآخرَه مِيمٌ، لَقَبٌ لأحدِ الثقاتِ الأثباتِ، واسمُه ‏(‏مُحمَّدٌ‏)‏ هو ابنُ الفضلِ‏,‏ ويُكَنَّى أبا النُّعْمانِ السَّدُوسيَّ البَصْرِيَّ، فقد قالَ البخاريُّ‏:‏ إنَّه تَغَيَّرَ في آخرِ عُمُرِه‏.‏ ونحوُه قولُ أبي داودَ‏:‏ إِنَّه قد زالَ عَقْلُه‏.‏ وقالَ النَّسائِيُّ‏:‏ كانَ أحدَ الثقاتِ قبلَ أنْ يَخْتَلِطَ‏.‏ وقالَ أبو حَاتِمٍ‏:‏ اختَلَطَ في آخرِ عُمُرِه وزَالَ عَقْلُه‏,‏ فمَن سَمِعَ منه قبلَ الاختلاطِ فسَماعُه صَحِيحٌ وقدْ كَتَبْتُ عنه قبلَه سنةَ أربعَ عَشْرَةَ، ولم أسْمَعْ منه بعدَه، ومَن سَمِعَ منه قبلَ سنةِ عشرينَ فسماعُه جَيِّدٌ، وأبو زُرْعةَ لَقِيَه سَنَةَ اثنتيْنِ وعِشرينَ‏.‏ وقالَ ابنُ حِبَّانَ‏:‏ إنَّه اختَلَطَ في آخرِ عُمُرِه وتَغَيَّرَ حتى كانَ لا يَدْرِي ما يُحَدِّثُ به، فوَقَعَ في حديثِ المناكيرِ الكثيرةِ‏,‏ فيَجِبُ التنكُّبُ عن حَديثِه فيما رَواهُ المُتأخِّرونَ، فإذا لم يُعْلَمْ هذا من هذا‏,‏ تُرِكَ الكُلُّ، وأنكَرَ الذَّهَبِيُّ قولَه‏,‏ ووصَفَه بالتخسيفِ والتهويرِ، وقالَ‏:‏ إِنَّه لم يَقْدِرْ أنْ يَسوقَ له حَدِيثاً مُنْكَراً، والقولُ ما قالَ الدارقُطْنِيُّ‏:‏ إِنَّه تَغَيَّرَ بآخرةٍ، وما ظهَرَ له بعدَ اختلاطِه حديثٌ مُنْكَرٌ‏,‏ وهو ثِقَةٌ، ثم إِنَّ قولَ أبي حَاتِمٍ الماضِيَ يُخالِفُه قولُ الحُسَيْنِ بنِ عبدِ اللهِ الذارعِ‏,‏ عن أبي داودَ‏:‏ بَلَغَنا أنَّه أنْكَرَ سَنَةَ ثلاثَ عَشْرَةَ ثم رَاجَعَه عقلُه واستحكَمَ به الاختلاطُ سنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ، ونحوُه قولُ العُقَيْلِيِّ‏:‏ إنَّ سماعَ عليٍّ البَغَوِيِّ منه سنةَ سبعَ عَشْرَةَ يعني بعدَ اختلاطِه‏.‏

ومِمَّن سَمِعَ منه قبلَ الاختلاطِ أحمدُ بنُ حَنْبلٍ وعبدُ اللهِ بنُ محمدٍ المُسْنَدِيُّ وأبو عليٍّ محمدُ بنُ أحمدَ بنِ خالدٍ الزُّرَيقِيُّ؛ فإنه قالَ‏:‏ حَدَّثنا قبلَ أنْ يَختلِطَ‏.‏ وأبو حاتمٍ محمدُ بنُ إدريسَ الرازيُّ كما تَقدَّمَ، والبخاريُّ؛ فإنَّه إنما سَمِعَ منه في سَنَةِ ثلاثَ عَشْرَةَ قبلَ اختلاطِه بمُدَّةٍ؛ ولذا اعتمَدَه في عِدَّةِ أحاديثَ، بل رَوَى له أيضاً بواسطةِ المُسنَدِيِّ فقط، ومحمدُ بنُ يَحْيَى الذهليُّ؛ فإِنَّه قالَ‏:‏ ثَنا عَارِمٌ، وكانَ بعيداً من العَرَامةِ صحيحَ الكتابِ وكانَ ثِقَةً‏.‏ ومحمدُ بنُ يُونُسَ الكُدَيْمِيُّ كما قالَه الخطيبُ، وقد قالَ ابنُ الصلاحِ‏:‏ ما رواهُ عنه البخاريُّ والذهليُّ وغيرُهما من الحُفَّاظِ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مَأْخُوذاً عنه قبلَ اختلاطِه‏.‏

ومِمَّن سَمِعَ منه بعدَه أبو زُرْعَةَ الرازيُّ وعَلِيُّ بنُ عَبْدِ العزيزِ البَغْوِيُّ كما تَقدَّمَ عنهما‏,‏ وحديثُه عندَ مُسْلِمٍ أيضاً بواسطةِ أحمدَ بنِ سعيدٍ الدارميِّ وحَجَّاجٍ الشاعرِ وأبي دَاوُدَ سُلَيْمَانَ بنِ مَعْبَدٍ السِّنْجِيِّ وعبدِ بنِ حُمَيدٍ وهَارُونَ بنِ عبدِ اللهِ الحمَّالِ، وكانتْ وفاتُه في سنةِ ثلاثٍ أو في صَفَرَ سنةَ أربعٍ وعشرينَ ومائتيْنِ، والثاني أكْثَرُ‏.‏

‏(‏و‏)‏ كذا مِن المُخْتلطِينَ عبدُ الوَهَّابِ بنُ عبدِ المجيدِ أبو مُحمَّدٍ ‏(‏الثَّقَفِي‏)‏ بفتحِ المُثلَّثةِ والقافِ ثم فاءٍ، نسبةً إلى ثَقِيفٍ، البصريُّ أحدُ الثقاتِ؛ لقولِ عَبَّاسٍ الدُّورِيِّ عن ابنِ مَعِينٍ‏:‏ إِنَّه اختلَطَ بآخرةٍ‏.‏ وكذا وصَفَه بالاختلاطِ عُقْبةُ بنُ مكرمٍ، وأنَّه كانَ قبلَ موتِه بثلاثِ سِنينَ أو أربعٍ، لكنْ قالَ الذَّهَبِيُّ في ‏(‏الميزانِ‏)‏‏:‏ إِنَّه ما ضَرَّ تَغَيُّرُه حديثَه؛ فإِنَّه ما حَدَّثَ في زمنِه بحديثٍ، واستدَلَّ لذلك بقولِ أبي دَاوُدَ‏:‏ تَغَيَّرَ جريرُ بنُ حَازِمٍ وعبدُ الوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ فحُجِبَ الناسُ عنهما‏.‏ وكذا قالَه العُقَيليُّ، ويَخْدِشُ فيه قولُ الفَلاَّسِ‏:‏ إِنَّه اختلَطَ حتى كانَ لا يَعْقِلُ، وسَمِعْتُه وهو مُخْتلِطٌ يَقولُ‏:‏ ثنا محمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ ثَوْبانَ باختلاطٍ شَدِيدٍ، ولعلَّ هذا كانَ قبلَ حَجْبِه، وقد اتَّفَقَ الشيخانِ عليه من جهةِ محمدِ بنِ بَشَّارٍ بُنْدَارٍ ومحمدِ بنِ المُثَنَّى عنه، والبخاريُّ فقط من جِهَة ِأزْهَرَ بنِ جميلٍ وعمرِو بنِ عَلِيٍّ الفلاسِ وقُتَيبةَ ومحمدِ بنِ سَلاَّمٍ ومحمدِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ حَوْشَبٍ عنه‏,‏ ومُسْلِمٌ فقط من جِهَةِ إبراهيمَ بنِ محمدِ بنِ عَرْعَرَةَ وإسحاقَ بنِ رَاهْوَيْهِ وسُوَيْدِ بنِ سَعِيدٍ وأبي بَكْرِ بنِ أَبِي شَيْبةَ وعُبَيدِ اللهِ بنِ عُمَرَ القَوَارِيرِيِّ وأبي غَسَّانَ مَالِكِ بنِ عبدِ الواحدِ المِسْمَعِيِّ ومحمدِ بنِ عبدِ اللهِ الرازيِّ ومحمدِ بنِ يَحْيَى بنِ أبي عُمَرَ العَدَنِيِّ ويَحْيَى بنِ حَبِيبِ بنِ عَرَبِيٍّ عنه‏.‏

و ‏(‏كَذَا‏)‏ من المُخْتلطِينَ ‏(‏ابنُ هَمَّامٍ‏)‏ بفتحِ أوَّلِه ثم تشديدٍ؛ كحَمَّادِ بنِ نَافِعٍ، هو عَبْدُ الرزَّاقِ أبو بَكْرٍ الحِمْيَرِيُّ أحدُ الحُفَّاظِ الأثباتِ‏,‏ ‏(‏بصَنْعَا‏)‏ بفتحِ المُهْملةِ ثم نونٍ سَاكنةٍ مقصوراً للضرورةِ، مدينةٌ باليَمَنِ شَهِيرَةٌ‏,‏ ‏(‏إذْ عَمِي‏)‏ لقولِ أحمدَ فيما رواهُ أبو زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيُّ عنه‏:‏ أتَيْناهُ قبلَ المائتيْنِ وهو صحيحُ البصرِ، ومَن سَمِعَ منه بعدَ ذَهابِ بصرِه فهو ضعيفُ السماعِ‏.‏ وقالَ الأثْرَمُ عن أحمدَ أيضاً‏:‏ مَن سَمِعَ منه بعدَما عَمِيَ فليسَ بشيءٍ، وما كانَ في كُتُبِه فهو صَحِيحٌ، وما ليسَ في كُتُبِه فإِنَّه كانَ يُلَقَّنُ فيَتَلَقَّنُ، وحَكَى حَنْبلٌ عن أحمدَ نحوَه، وكذا قالَ النَّسائيُّ‏:‏ فيه نَظَرٌ لمَن كتَبَ عنه بآخرةٍ، كَتَبُوا عنه أحاديثَ مَناكِيرَ‏.‏

ومِمَّن سَمِعَ منه قبلَ ذلك أحمدُ وإسحاقُ ابنُ رَاهْوَيْهِ وعليُّ بنُ المَدِينِيِّ ووَكِيعٌ وابنُ مَعِينٍ، والضابِطُ لمَن سَمِعَ منه قبلَ الاختلاطِ أنْ يَكُونَ سَماعُه قبلَ المائتيْنِ‏,‏ كما تَقدَّمَ‏,‏ ومِمَّن سَمِعَ منه بعدَ ذلك إبراهيمُ بنُ مَنْصورٍ الرَّمادِيُّ وأحمدُ بنُ محمدِ بنِ شَبُّويَهْ‏,‏ وإسحاقُ بنُ إبراهيمَ الدبريُّ، ومحمدُ بنُ حَمَّادٍ الطَّهْرَانِيُّ، قالَ إبراهيمُ الحَربِيُّ‏:‏ ماتَ عبدُ الرزَّاقِ، وللدَّبَرِيِّ سِتُّ أو سَبْعُ سِنِينَ‏.‏ وكذا قالَ الذَّهَبِيُّ‏:‏ اعْتَنَى به أبوه فأسْمَعَه من عبدِ الرزَّاقِ تَصانيفَه، وله سَبْعُ سِنِينَ، ونحوُه قولُ ابنِ عَدِيٍّ‏:‏ إنَّه اسْتَصْغَرَ فيه، وقالَ ابنُ الصلاحِ‏:‏ وقد وَجَدْتُ فيما رُوِيَ عن الدبريِّ عن عبدِ الرزَّاقِ أحاديثَ اسْتَنْكَرْتُها جِدًّا فأحَلْتُ أمرَها على الدَّبَريِّ؛ لأنَّ سَماعَه منه مُتأخِّرٍ جِدًّا، ومعَ ذلك فقد احتَجَّ به أبو عَوانَةَ في صحيحِه، وكذا كانَ العُقَيْلِيُّ يُصَحِّحُ رِوايتَه، وأدْخَلَه في الصحيحِ الذي ألَّفَه، وأكثَرَ عنه الطَّبَرانِيُّ‏,‏

وقالَ الحاكِمُ‏:‏ قُلْتُ للدارَقُطنِيِّ‏:‏ أيدخُلُ في الصحيحِ‏؟‏ قالَ‏:‏ إِي واللهِ‏.‏ وكأنَّهم لم يُبالُوا بتَغَيُّرِ عبدِ الرزَّاقِ؛ لكونِه إِنَّما حَدَّثَه من كُتُبِه‏,‏ لا مِن حَفْظِه‏,‏ قالَه المُصنِّفُ، ونحوُه قولُ ابنِ كَثِيرٍ كما قَدَّمْتُه في ‏(‏أدبِ المُحَدِّثِ‏)‏‏:‏ مَن يَكُونُ اعتمادُه في حديثِه على حَفْظِه وضَبْطِه، يَنْبَغِي الاحترازُ من اختلاطِه إذا طَعَنَ في السنِّ أو لا، بل الاعتمادُ على كتابِه أو الضابطِ له فلا‏.‏

وقالَ شيخُنا‏:‏ المناكيرُ الواقعةُ في حديثِ الدَّبَرِيِّ إنَّما سببُها أنَّه سَمِعَ من عبدِ الرزَّاقِ بعدَ اختلاطِه، فما يُوجَدُ من حديثِ الدَّبَرِيِّ عن عبدِ الرزَّاقِ في مُصنَّفاتِ عبدِ الرزَّاقِ فلا يَلْحَقُ الدَّبَرِيَّ منه تَبِعَةٌ إِلاَّ إنْ صَحَّفَ وحَرَّفَ، وقد جَمَعَ القاضي محمدُ بنُ أحمدَ بنِ مُفَرِّجٍ القُرْطبيُّ الحروفَ التي أخْطَأَ فيها الدَّبَرِيُّ وصحَّفَها في مُصنَّفِ عبدِ الرزَّاقِ، إِنَّما الكلامُ في الأحاديثِ التي عندَ الدَّبَريِّ في غيرِ التصانيفِ‏,‏ فهي التي فيها المناكيرُ؛ وذلكَ لأجلِ سَماعِه منه في حالِ اختلاطِه، ثم إنَّ حَدِيثَ عبدَ الرزَّاقِ عندَ الشيخيْنِ من جهةِ إسحاقَ بنِ رَاهْوَيْهِ وإسحاقَ بنِ مَنْصورٍ الكَوْسَجِ ومحمودِ بنِ غَيْلانَ عنه، وعندَ البخاريِّ فقط من جهةِ إسحاقَ بنِ إبراهيمَ بنِ نَصْرٍ السَّعْديِّ وعبدِ اللهِ بنِ مُحمدِ المُسنَدِيِّ والذهليِّ ويَحْيَى بنِ جعفرٍ البِيكَنْدِيِّ ويَحْيَى بنِ موسى البَلْخيِّ خت *** عنه، وعندَ مسلمٍ فقط من جهةِ أحمدَ بنِ حَنْبلٍ وأحمدَ بنِ يُوسُفَ السُّلَمِيِّ وحَجَّاجِ بنِ يُوسُفَ الشاعرِ والحَسَنِ بنِ عَلِيٍّ الخَلاَّلِ وسَلَمَةَ بنِ شَبيبٍ وعبدِ بنِ حُمَيدٍ وعمرٍو الناقدِ ومحمدِ بنِ رَافِعٍ ومحمدِ بنِ مِهْرانَ ومحمدِ بنِ يَحْيَى بنِ أبي عُمَرَ العَدَنِيِّ، وكانتْ وَفاتُه في شَوَّالٍ سَنَةَ إحْدَى عَشْرَةَ ومائتيْنِ‏.‏

‏(‏و‏)‏ كَذَا عُدَّ فيهم شيخُ مالكٍ وأحَدُ الأئمَّةِ الأثباتِ رَبِيعَةُ بنِ أَبِي عبدِ الرحمنِ فَرُّوخٌ المَدَنِيُّ‏,‏ ‏(‏الرَّأْيُ‏)‏ بتشديدِ الراءِ ثم هَمْزَةٍ؛ لأنَّه كانَ معَ مَعْرِفَتِه بالسُّنَّةِ قائلاً به‏,‏ ‏(‏فِيمَا زَعَمُوا‏)‏ حَسْبَما حَكاهُ ابنُ الصلاحِ، فقالَ‏:‏ قِيلَ‏:‏ إِنَّه تَغَيَّرَ في آخرِ عُمُرِه‏,‏ وتُرِكَ الاعتمادُ عليه لذلك‏,‏ ولم أقِفْ عليه لغَيْرِه، وقالَ الناظِمُ‏:‏ لا أعلَمُ أحداً تَكلَّمَ فيه بالاختلاطِ‏.‏ انتَهَى‏.‏

وإِنَّما قالَ الواقديُّ‏:‏ كانوا يَتَّقونَه لموضعِ الرَّأْيِ، على أنَّ عبدَ العزيزِ بنَ أَبِي سَلَمَةَ قالَ‏:‏ قلتُ لربيعةَ في مَرضِه الذي ماتَ فيه‏:‏ إِنَّا قد تَعَلَّمْنا منكَ‏,‏ ورُبَّما جاءَنا مَن يَسْتَفْتِينَا في الشيءِ لم نَسْمَعْ فيه شيئاً؛ فنَرَى أنَّ رَأْيَنا خيرٌ له مِن رَأْيِه لنفسِه فنُفْتِيهِ‏.‏ قالَ‏:‏ فقالَ‏:‏ أقْعِدونِي‏.‏ ثم قالَ‏:‏ وَيْحَكَ يا عبدَ العزيزِ‏,‏ لَأَنْ تَمُوتَ جاهلاً خَيْرٌ من أنْ تَقولَ في شيءٍ بغيرِ علمٍ، لالا ثَلاثَ مَرَّاتٍ، وكانَتْ وفاتُه في سَنَةِ اثنتيْنِ أو سِتٍّ وثَلاثِينَ أو اثنتَيْنِ وأرْبَعِينَ ومائةٍ بالمدينةِ‏.‏

‏(‏و‏)‏ كذا ‏(‏التَّوْأَمِي‏)‏ بفتحِ المُثنَّاةِ الفوقانيَّةِ ثم واوٍ سَاكِنَةٍ وهمزةٍ تَلِيها مِيمٌ‏,‏ وهو صالِحُ بنُ أبي صالِحٍ نَبْهَانُ المَدَنِيُّ مَوْلَى أمِّ سَلَمَةَ، تَابِعِيٌّ ثِقَةٌ، ونُسِبَ كذلك؛ لأنَّه يُعْرَفُ بمَوْلَى التَّوْأمةِ، وهي ابنةُ أُمَيَّةَ بنِ خَلَفٍ الجُمَحيِّ‏,‏ صَحابِيَّةٌ‏,‏ سُمِّيَتْ بذلك؛ لأنَّها كانتْ هي وأُخْتٌ لها في بَطْنٍ وَاحِدٍ، فسُمِّيَتْ تلك باسْمٍ، وهذه بالتَّوْأَمَةِ؛ فإِنَّه اختلَطَ فيما قالَه أحمدُ، ونحوُه قولُ ابنِ مَعِينٍ‏:‏ خَرِفَ قبلَ أنْ يَمُوتَ‏.‏ وكذا قالَ ابنُ المَدِينِيِّ‏:‏ خَرِفَ وكَبِرَ‏.‏ وقالَ ابنُ حِبَّانَ‏:‏ تَغَيَّرَ في سَنَةِ خَمْسٍ وعشرينَ ومائةٍ، وجَعَلَ يأتي بما يُشْبِهُ الموضوعاتِ عن الثقاتِ‏,‏ فاختلَطَ حديثُه الأخيرُ بحديثِه القديمِ، ولم يَتمَيَّزْ فاسْتَحَقَّ التَّرْكَ، واقْتَصَرَ ابنُ الصلاحِ على حكايةِ كلامِه، معَ أنه ليسَ الأمرُ كذلك، فقد مَيَّزَ الأئمَّةُ بعضَ مَن سَمِعَ منه قديماً مِمَّن سَمِعَ منه بعدَ التغَيُّرِ، فمَن سَمِعَ منه قديماً زيادُ بنُ سعدٍ وابنُ جُرَيجٍ ومحمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ذِئْبٍ حَسْبَما قالَه ابنُ عَدِيٍّ فيهم، وابنُ مَعِينٍ وابنُ المَدِينِيِّ والجُوزجانيُّ في الأخيرِ فقط، ولكنْ قالَ التِّرْمِذِيُّ فيما حكاهُ ابنُ القَطَّانِ عنه عن البخاريِّ عن أحمدَ بنِ حَنْبِلٍ‏:‏ إِنَّ ابنَ أَبِي ذِئْبٍ سَمِعَ منه أخِيراً‏,‏ ورَوَى عنه مُنْكَراً‏,‏ فاللهُ أعلَمُ‏.‏ ومِمَّن سَمِعَ منه بعدَ الاختلاطِ السُّفْيانانِ ومَالِكٌ، فقَالَ ابنُ عُيَينةَ‏:‏ سَمِعْتُ منه ولُعابُه يَسِيلُ‏.‏ يعني مِن الكِبَرِ، وما عَلِمْتُ أحَداً من أصحابِنَا يُحَدِّثُ عنه‏,‏ لا مَالِكٌ ولا غَيْرُه، وقالَ الحُمَيديُّ‏,‏ عن ابنِ عُيَيْنَةَ أيضاً‏:‏ لَقِيتُه سنةَ خَمْسٍ أو سِتٍّ وعِشْرِينَ ومائةٍ أو نحوِها وقدْ تَغَيَّرَ ولَقِيَه الثوريُّ بعدِي‏.‏ وقالَ أحمدُ‏:‏ كانَ مَالِكٌ أدْرَكَه وقد اختَلَطَ، فمَن سَمِعَ منه قديماً فذاكَ‏.‏ ومِمَّن نَصَّ على أنَّ مالكاً والثوريَّ إِنَّما سَمِعَا منه بعدَ أنْ كَبِرَ وخَرِفَ، ابنُ مَعِينٍ، وكذا في الثوريِّ خَاصَّةً الجُوزجانِيَّ‏.‏

‏(‏و‏)‏ كذا ‏(‏ابنُ عُيَيْنَةٍ‏)‏ بتَحْتانِيَّتَيْنِ معَ التصغيرِ وبالصرفِ للضرورةِ، هو سُفْيانُ أبو محمدٍ الهلاليُّ الكُوفِيُّ نَزِيلُ مَكَّةَ، وأحدُ الأئمَّةِ الأثباتِ‏,‏ فقد قالَ يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ القَطَّانُ فيما حَكَاهُ محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عَمَّارٍ المَوْصِلِيُّ عنه‏:‏ أشْهِدُوا أنَّه اختلَطَ سنةَ سبعٍ وتِسْعينَ، فمَن سَمِعَ منه، فيها وبعدَها فسماعُه لا شيءَ‏.‏ قالَ الذَّهَبِيُّ‏:‏ وأنا أسْتبعِدُه وأعُدُّه غَلَطاً من ابنِ عَمَّارٍ، فالقَطَّانُ ماتَ في الكوفةِ أوَّلَ سَنَةِ ثَمَانٍ وتِسعينَ عندَ رُجوعِ الحاجِّ وتَحدُّثِهم بأخبارِ الحجازِ‏,‏ فمَتَى تَمَكَّنَ من سماعِه باختلاطِ سُفْيانَ حتى تَهَيَّأَ له أنْ يَشْهَدَ عليه بذلك والموتُ قد نزَلَ به، ثم قالَ‏:‏ فلَعلَّه ذلك في أثناءِ سنةِ سَبْعٍ‏.‏

قالَ شيخُنا‏:‏ وهذا الذي لا يَتَّجِهُ غيرُه؛ لأنَّ ابنَ عَمَّارٍ من الأثباتِ المُتْقنِينَ، ثم ما المانِعُ أنْ يَكُونَ القَطَّانُ سَمِعَه من جماعةٍ مِمَّن حَجَّ في تلك السنةِ واعتمَدَ قَوْلَهم، وكانوا كثيراً‏,‏ فشَهِدَ على استفاضتِهم وأخبَرَ به قبلَ موتِه ولو بيومٍ؛ فضلاً عن أكثرَ منه، وقد وَجَدْتُ عن القَطَّانِ ما يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ سَبَباً لِمَا نَقَلَه عنه ابنُ عَمَّارٍ، وهو ما أوْرَدَه أبو سَعْدِ بنُ السَّمعانيِّ في ترجمةِ إسماعيلَ بنِ أبي صَالِحٍ المُؤذِّنِ من ذيلِ تاريخِ بغدادَ له بسَنَدِه إلى عبدِ الرحمنِ بنِ بِشْرِ بنِ الحَكَمِ قالَ‏:‏ سَمِعْتُ يَحْيَى بنَ سَعِيدٍ يَقولُ‏:‏ قُلْتُ لابنِ عُيَينةَ‏:‏ كُنْتَ تَكْتُبُ الحديثَ وتُحَدِّثُ القومَ وتَزِيدُ في إسنادِه أو تَنْقُصُ منه‏؟‏ فقالَ‏:‏ عليكَ بالسماعِ الأولِ؛ فإِنِّي سَئِمْتُ‏.‏ بل قالَ ذلك غيرُ القَطَّانِ‏,‏ فذكَرَ أبو مَعِينٍ الرازيُّ في زيادةِ كتابِ الإيمانِ لأحمدَ‏,‏ أنَّ هارونَ بنَ مَعْروفٍ قالَ له‏:‏ إِنَّ ابنَ عُيَيْنَةَ تَغَيَّرَ أمرُه بآخرةٍ، وأنَّ سُلَيْمانَ بنَ حَرْبٍ قالَ له‏:‏ إِنَّ ابنَ عُيَيْنَةَ أخْطَأَ في عَامَّةِ حَدِيثِه عن أَيُّوبَ‏.‏

وقد اتَّفَقَ الشيخانِ على التخريجِ له مِن جِهَةِ إسحاقَ بنِ رَاهْوَيْهِ وبشرِ بنِ الحَكَمِ النَّيْسابوريِّ ووَلَدِه عبدِ الرحمنِ بنِ بِشْرٍ وقُتَيبةَ ومحمدِ بنِ عَبَّادٍ المَكِّيِّ وأبي موسَى محمدِ بنِ المُثَنَّى عنه، والبخاريُّ فقط مِن جِهَةِ حَجَّاجِ بنِ مِنْهالٍ وصَدَقَةَ بنِ الفضلِ المَرْوزِيِّ والحُمَيديِّ وعبدِ اللهِ بنِ مُحمدٍ المُسْنَدِيِّ وعبدِ اللهِ بنِ مُحمدٍ النُّفَيليِّ وعُبَيدِ اللهِ بنِ مُوسَى وعَلِيِّ بنِ المَدِينِيِّ وأبي نُعَيْمٍ الفضلِ بنِ دُكَيْنٍ ومالكِ بنِ إسماعيلَ النَّهْدِيِّ ومحمدِ بنِ سَلاَّمٍ‏,‏ ومحمدِ بنِ يُوسُفَ ويَحْيَى بنِ جَعْفَرٍ البِيكَنْدِيَّيْنِ‏,‏ وأبي الوليدِ الطَّيَالِسِيِّ عنه، ومسلمٌ فقط من جِهةِ إبراهيمَ بنِ دِينارٍ التَّمَّارِ وأحمدَ بنِ حَنْبلٍ وأبي مَعْمَرٍ إسماعيلَ بنِ إبراهيمَ الهذليِّ وأبي خَيْثَمَةَ زُهَيْرِ بنِ حَرْبٍ وسعيدِ ابنِ عَمْرٍو الأشعثيِّ وسعيدِ بنِ منصورٍ وسُوَيْدِ بنِ سَعيدٍ وعبدِ اللهِ بنِ محمدٍ الزُّهْرِيِّ وعبدِ الأعْلَى بنِ حَمَّادٍ النُّرْسِيِّ وعبدِ الجَبَّارِ بنِ العَلاءِ وأبي قُدامَةَ عُبَيدِ اللهِ بنِ سَعِيدٍ السَّرَخْسِيِّ وعُبَيدِ اللهِ بنِ عُمَرَ القواريريِّ وعَلِيِّ بنِ حجرٍ وعليِّ بنِ خَشْرَمٍ وعَمْرِو بنِ محمدٍ الناقدِ ومحمدِ بنِ حَاتِمِ بنِ مَيْمُونٍ ومحمدِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ نُمَيْرٍ وأبي كُرَيْبٍ محمدِ بنِ العلاءِ ومحمدِ بنِ يَحْيَى بنِ أبي عُمَرَ العَدَنِيِّ ومَخْلَدِ بنِ خَالِدٍ الشعيريِّ ونَصْرِ بنِ عَلِيٍّ الجَهْضنيِّ وهَارُونَ بنِ مَعْروفٍ ويَحْيَى بنِ يَحْيَى النَّيْسابوريِّ عنه‏.‏

قالَ الذَّهَبِيُّ‏:‏ ويَغْلِبُ على ظَنِّي أنَّ سائرَ شيوخِ الأئمَّةِ السِّتَّةِ سَمِعوا منه قبلَ سنةِ سبعٍ، فأمَّا سَنَةَ ثَمانٍ ففيها ماتَ ولم يَلْقَ أحَداً فيها؛ فإِنَّه تُوُفِّيَ قبلَ قدومِ الحاجِّ بأربعةِ أشْهُرٍ، بل هو في الحقيقةِ نحوُ خَمْسَةِ أشْهُرٍ؛ لأنَّه ماتَ بمَكَّةَ في يومِ السبتِ أوَّلِ شَهْرِ رَجَبٍ‏,‏ كما قالَه ابنُ سَعْدٍ وابنُ زبرٍ، وقالَ ابنُ حِبَّانَ‏:‏ في آخرِ يَوْمٍ من جُمادَى الآخرةِ منها، وجزَمَ ابنُ الصلاحِ بأنَّ وَفاتَه في سنةِ تِسْعٍ، والمعروفُ‏:‏ ثَمَانٍ، وكانَ انتقالُه من الكوفةِ إلى مَكَّةَ سنةَ ثلاثٍ وسِتِّينَ فاسْتَمَرَّ بها حتى ماتَ‏.‏

قالَ الذَّهَبِيُّ‏:‏ ومحمدُ بنُ عاصِمٍ صاحِبُ ذاك الجُزْءِ العالي سَمِعَ منه في سنةِ سَبْعٍ، وقالَ ابنُ الصلاحِ‏:‏ إِنَّه يَحْصُلُ نَظَرٌ في كثيرٍ من العوالي الواقعةِ عمَّن تأخَّرَ سماعُه من ابنِ عُيَينَةَ وأشباهِهِ‏.‏ يعني مِمَّن تَغَيَّرَ‏.‏

وكذا مِمَّن اختلَطَ عبدُ اللهِ بنُ لَهِيعَةَ؛ لقولِ أبي جَعْفَرٍ الطَّبَرِيِّ في ‏(‏تهذيبِ الآثارِ‏)‏‏:‏ إِنَّه اختلَطَ عَقْلُه في آخرِ عُمُرِه‏.‏

‏(‏معَ‏)‏ عبدِ الرحمنِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عُتْبَةَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ مَسْعودٍ الهذليِّ ‏(‏المَسْعودِي‏)‏ نِسْبةً لجَدِّه، أحَدِ الثقاتِ المَشْهورِينَ والكبارِ من المُحَدِّثيِنَ فقد صَرَّحَ باختلاطِه غيرُ واحدٍ؛ كمحمدِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ نُمَيْرٍ وأبي بَكْرِ بنِ أبي شَيْبَةَ والعِجْلِيِّ وابنِ سَعْدٍ‏,‏ وأنَّها في آخرِ عُمُرِه، وأبي حَاتِمٍ، وقالَ‏:‏ قبلَ موتِه بسَنَةٍ أو سَنَتيْنِ‏.‏ وأحمدَ وقالَ‏:‏ إِنَّما اختلَطَ ببغدادَ فمَن سَمِعَ منه بالكوفةِ والبصرةِ فسماعُه جَيِّدٌ‏.‏ وكذا قالَ ابنُ مَعِينٍ‏:‏ كانَ نزَلَ بغدادَ وتَغَيَّرَ، فمَن سَمِعَ منه زمانَ أبي جَعْفَرٍ‏,‏ يعني المنصورَ‏,‏ فهو صَحِيحُ السماعِ‏,‏ أو زَمَنَ المَهْدِيِّ فلا، وهو قريبٌ من قولِ أبي حاتِمٍ، إذا مَشَيْنَا على أنَّ وفاةَ المَسْعوديِّ سَنَةَ سِتِّينَ ومائةٍ؛ لأنَّ وَفاةَ المنصورِ كانَتْ بمَكَّةَ في ذي الحِجَّةِ سَنَةَ ثمانٍ وخَمْسِينَ، أمَّا على القولِ بأنَّ وَفاةَ المسعوديِّ سَنَةَ خَمْسٍ وسِتِّينَ فلا‏.‏

وقالَ ابنُ حِبَّانَ‏:‏ اختلَطَ حَدِيثُه فلم يَتمَيَّزْ فاسْتَحَقَّ الترْكَ، وكذا قالَ أبو الحَسَنِ بنُ القَطَّانِ‏:‏ إِنَّه لا يَتَمَيَّزُ في الأغلبِ ما رَواهُ قبلَ اختلاطِه مِمَّا رواه بعدَه، وهو مُنْتقَضٌ بتمييزِ جماعةٍ من الفَريقيْنِ، فمِمَّن سَمِعَ منه قديماً أبو نُعَيْمٍ الفضلُ بنُ دُكَيْنٍ ووَكِيعٌ فيما قالَه أحمدُ، وحَدِيثاً أبو دَاوُدَ الطَّيالسِيُّ وعاصِمُ بنُ عَلِيٍّ وابنُ مَهْدِيٍّ وأبو النَّضْرِ هَاشِمُ بنُ القاسِمِ ويَزِيدُ بنُ هَارُونَ‏,‏ كما صَرَّحَ به في الأولِ سلمُ بنُ قُتَيْبَةَ، وفي الثاني والرابعِ أحْمَدُ، وفي الآخرين، ابنُ نُمَيْرٍ، وقالَ أبو النَّضْرِ أحَدُهم‏:‏ إِنِّي لَأعْرِفُ اليومَ الذي اختَلَطَ فيه، كُنَّا عندَه وهو يُعَزَّى في ابنِ له‏,‏ فجاءَه إنسانٌ فقالَ له‏:‏ إِنَّ غلامَكَ أخَذَ مِن مِلْكِكَ عَشَرَةَ آلافٍ وهَرَبَ‏,‏ ففَزِعَ وقامَ ودخَلَ إلى منزلِه، ثم خرَجَ إلينا وقد اختلَطَ، وقدْ وقَعَ حَدِيثُه في البخاريِّ لا بقَصْدِ التخريجِ له فيما ظهَرَ لشيخِنا كما قَرَّرَه في ‏(‏مُخْتَصَرِ التهذيبِ‏)‏ والمُقَدِّمةِ، وإنَّما وقَعَ اتِّفاقاً، ولم يَرْوِ له مسلمٌ شيئاً‏.‏

‏(‏وآخِراً حَكَوْهُ‏)‏ أي‏:‏ وفي المتأخِّرِينَ حَكَى أهلُ الحديثِ؛ كأبي عليٍّ البرذعيِّ ثم السَّمَرْقَنْدِيِّ في مُعْجَمِه بلاغاً‏,‏ ومَن تَبِعَهما الاختلاطُ آخرَ العُمُرِ ‏(‏في الحَفيدِ ابنِ خُزَيْمَةٍ‏)‏ بمُعْجَمتيْنِ، مُصَغَّرٌ، نسبةً لجَدِّه الأعلى، فهو أبو الطَّاهِرِ محمدُ بنُ الفضلِ بنِ الحَافِظِ الشهيرِ إمامِ الأئمَّةِ أبي بكرٍ محمدِ بنِ إسحاقَ بنِ خُزَيْمَةَ بنِ المُغيرةِ السُّلَمِيِّ‏.‏

‏(‏معَ الغِطْرِيفِ‏)‏ بكسرِ المعجمةِ وإسكانِ المهملةِ ثم راءٍ مَكْسورةٍ‏,‏ بعدَها مُثنَّاةٌ تَحْتانيَّةٌ ثم فاءٌ‏,‏ نسبةً لجَدِّ جَدِّه، وهو الثِّقَةُ الثَّبَتُ أحَدُ أكابرِ الحُفَّاظِ في وَقْتِه، أبو أحمدَ محمدُ بنُ أحمدَ بنِ الحُسَيْنِ بنِ القَاسِمِ بنِ الغِطْرِيفِ بنِ الجَهْمِ الرِّباطِيُّ الغِطْرِيفِيُّ الجُرْجانِيُّ العَبْدِيُّ مُصَنِّفُ المُستخرَجِ على البخاريِّ والأبوابِ وصاحبُ الجزءِ العالي وشيخُ القاضي أبي الطَّيِّبِ الطَّبَرِيِّ‏.‏

وكذا صَرَّحَ به في أَوَّلِهما الحاكِمُ فقالَ‏:‏ إِنَّه مَرِضَ في الآخرِ وتَغَيَّرَ بزَوالِ عَقْلِه في ذِي الحِجَّةِ سَنَةَ أربعٍ وثَمَانِينَ وثَلاثِمائةٍ، وعاشَ بعدَ ثلاثِ سِنِينَ، وقَصَدْتُه فيها فوجَدْتُه لا يَعْقِلُ، وكلُّ مَن أخَذَ عنه بعدَ ذلك فلقلَّةِ مبالاتِه بالدينِ، وماتَ في جُمادَى الأولى سنةَ سبعٍ وثَمانِينَ‏.‏ انتهَى‏.‏

وعلى هذا فمُدَّةُ اختلاطِه- كما قالَ المُصنِّفُ في التقييدِ- سنتانِ ونصفُ سَنَةٍ تَنْقُصُ أيَّاماً، وتَجوَّزَ الذَّهَبِيُّ فقالَ في ‏(‏العِبَرِ‏)‏، وتَبِعَه المُصنِّفُ في الشرحِ‏:‏ اختَلَطَ قبلَ موتِه بثلاثةِ أعوامٍ فتَجنَّبوه‏.‏ بل صَرَّحَ في ‏(‏الميزانِ‏)‏ بقولِه‏:‏ ما عَرَفْتُ أحداً سَمِعَ منه في أيَّامِ عَدَمِ عَقْلِه‏.‏ وكذا قالَ في ‏(‏تاريخِ الإسلامِ‏)‏‏:‏ وما أعْتَقِدُ أنَّهم سَمِعُوا منه إلاَّ في صِحَّةِ عقلِه، فإنَّ مَن لا يعقِلُ كيفَ يُسْمَعُ عليه‏؟‏‏!‏ وهو مُتعَقَّبٌ بكلامِ الحاكمِ على أنَّ الحاكِمَ لَيَّنَه،

بخلافِ هذا؛ فإِنَّه قالَ‏:‏ عَقَدْتُ له مجلسَ التحديثِ سنةَ ثمانٍ وسِتِّينَ، ودخلتُ بيتَ كُتُبِ جَدِّه، وأخرَجْتُ له مائتيْنِ وخمسينَ جزءاً من سماعاتِه الصحيحةِ‏,‏ وانْتَقَيْتُ له عَشَرَةَ أجزاءٍ‏,‏ وقلتُ‏:‏ دَعِ الأصولَ عندِي صيانةً لها‏.‏ فأخَذَها وفَرَّقَها على الناسِ، وذَهَبْتُ ومَدَّ يَدَه إلى كُتُبِ غيرِه فقرَأَ منها، ثم إنه مَرِضَ‏.‏‏.‏‏.‏ إلى آخرِ كلامِه‏.‏

وأمَّا ثانيهما فقالَ المُصنِّفُ في التقييدِ‏:‏ لم أَرَ مَن ذكَرَه فيمَن اختلَطَ إلاَّ أبا عَلِيٍّ المذكورَ، وقد تَرْجَمَه حمزةُ السَّهْمِيُّ في تاريخِ جُرْجَانَ، فلم يَذْكُرْ شيئاً من ذلك، وهو أعْرَفُ به؛ فإِنَّه من شُيوخِه، ويَشْهَدُ له روايةُ رفيقِه الحافظِ أبي بكرِ الإسماعيليِّ عنه في صحيحِه لأكثرَ من مائةِ حديثٍ‏,‏ لكنَّه يُدَلِّسُه، فمَرَّةً يقولُ‏:‏ ثنا محمدُ بنُ أحمدَ العَبْدِيُّ، ومَرَّةً‏:‏ محمدُ بنُ أبي حامدٍ النَّيْسابوريُّ والعَبْقَسِيُّ والثَّغْرِيُّ، لكنْ لا مانعَ أنْ يَكُونَ تَغَيُّرُه- إنْ صَحَّ- بعدَ أخذِ الإسماعيليِّ عنه، وكانتْ وَفاتُه في رَجَبٍ سنةَ سَبْعٍ وسَبْعِينَ وثلاثِمائةٍ، قالَ المُصنِّفُ‏:‏ وثَمَّ آخرُ يُوافِقُ الغِطْرِيفِيَّ في اسمِه واسمِ أبيهِ وبَلَدِه، ويُقارِبُه في اسمِ الجَدِّ‏,‏ وهما مُتعاصِرانِ‏,‏ وهو محمدُ بنُ أحمدَ بنِ الحَسَنِ بالتكبيرِ الجُرْجَانِيُّ‏,‏ وهو مِمَّن ذَكَرَ الحاكمُ أنَّه تَغَيَّرَ واختلَطَ‏,‏ فيَحتمِلُ أن اشْتَبَهَ بالغِطْرِيفيِّ‏.‏

وكذا مِمَّن اختلَطَ من المُتأخِّرِينَ أبو العِبَّاسِ محمدُ بنُ يَعْقوبَ الأصَمُّ صَاحِبُ الربيعِ، فقالَ القرابُ‏:‏ إِنَّه حُجِبَ عن النَّاسِ في سَنَةِ أربعٍ وأربَعِينَ وثلاثِمائةٍ فلم يُؤْذَنْ لأحدٍ عليهِ حتَّى ماتَ؛ لأنَّه ذَهَبَتْ عَيْناهُ واختَلَطَ عَقْلُه، وأبو الحُسينِ زَيْدُ بنُ محمدِ بنِ جَعْفَرِ بنِ المُبارَكِ العَامِرِيُّ الكُوفِيُّ المعروفُ بابنِ أَبِي اليابسِ أحدِ شيوخِ ابنِ شَاهِينَ وغيرُه‏,‏ كابنِ السمعانيِّ فإِنَّه تَرْجَمَه في الياءِ التحتانيَّةِ من الأنسابِ وقالَ‏:‏ إِنَّه كانَ قد اختَلَطَ عقلُه في آخرِ عُمُرِه ووسوسَ، كَتَبْتُ عنه يسيراً‏.‏

‏(‏معَ القَطِيعِي‏)‏ بفتحِ القافِ وكسرِ المهملةِ ثم مُثنَّاةٍ تَحتانيَّةٍ بعدَها عينٌ مهملةٌ، نسبةً لقطيعةِ الدقيقِ ببغدادَ، أبي بَكْرٍ ‏(‏أحمدَ‏)‏ بنِ جعفرِ بنِ حمدانَ بنِ مَالِكٍ ‏(‏المَعْروفِ‏)‏ بالثِّقةِ بحيثُ قالَ الحاكِمُ‏:‏ إنَّه ثِقَةٌ مأمونٌ‏.‏ وقالَ الخَطِيبُ‏:‏ لا أعلَمُ أحداً ترَكَ الاحتجاجَ بهِ‏.‏ وقالَ الذَّهَبِيُّ‏:‏ إِنَّه صدوقٌ في نفسِه، مقبولٌ، وهو صاحبُ الأجزاءِ القَطِيعيَّاتِ الخمسةِ؛ النهايةِ في العُلُوِّ لأصحابِ الفَخْرِ بينَهم وبينَه في مُدَّةِ أربعِمائةِ سَنَةٍ ونَيِّفِ أربعةِ أنفُسٍ لا غَيْرُ، والراوي لمُسْنَدِ أحمدَ‏,‏ والزُّهْدِ الكبيرِ له، المُنْفَرِدِ بهما، فقدْ قالَ ابنُ الصَّلاحِ‏:‏ إِنَّه اختَلَّ في آخرِ عُمُرِه وخَرِفَ حتى كانَ لا يَعْرِفُ شَيْئاً مِمَّا يُقْرَأُ عليه‏.‏ وحكاه الذَّهَبِيُّ في ‏(‏الميزانِ‏)‏ وقالَ‏:‏ ذكَرَ هذا أبو الحَسَنِ بنُ الفُرَاتِ يعني كما نَقَلَه الخطيبُ عنه، ثم قالَ الذَّهَبِيُّ‏:‏ وهذا القولُ غُلُوٌّ وإسرافٌ‏,‏ وقد كانَ أبو بَكْرٍ أسنَدَ أهلِ زَمَانِهِ‏.‏ انتهَى‏.‏

وإنكارُه على ابنِ الفُراتِ كما قالَ شَيْخُنا‏:‏ عَجِيبٌ فإِنَّه لم يَنْفَرِدْ بذلك فقدْ حَكَى الخطيبُ في ترجمةِ أحمدَ بنِ أحمدَ السَّيِّبيِّ أنَّه قالَ‏:‏ قَدِمْتُ بغدادَ، وأبو بكرِ بنُ مَالِكٍ حَيٌّ، وكانَ مَقْصودُنا دَرْسَ الفِقْهِ والفرائضِ، فقالَ لنا ابنُ اللبَّانِ الفَرَضِيُّ‏:‏ لا تَذْهَبُوا إلى ابنِ مالكٍ؛ فإنَّه قدْ ضَعُفَ واختَلَّ ومَنَعْتُ ابني السماعَ منه‏.‏ قالَ‏:‏ فلم نذهَبْ إليه‏.‏ انتهَى‏.‏

ويَجوزُ أنْ يَكونَ الذي أنكَرَه الذَّهَبِيُّ من كلامِ ابنِ الفراتِ قولَه‏:‏ كانَ لا يَعرِفُ شيئاً مِمَّا يَقْرَأُ‏,‏ لا الاختلاطَ‏.‏ ولكنْ قدْ قالَ الذَّهَبِيُّ في ترجمةِ أبي عليِّ بنِ المذهبِ الراوي عن القَطيعِيِّ ـ هذا من الميزانِ أيضاً ما نَصُّه‏:‏ الظاهرُ من ابنِ المَذْهَبِ أنَّه شيخٌ ليسَ بمُتْقِنٍ، وكذلك شيخُه ابنُ مالكٍ، ومن ثَمَّ وقَعَ في المسندِ أشياءُ غيرُ مُحْكمَةِ المتنِ والإسنادِ‏.‏ انتَهَى، وبالجملةِ فسَماعُ أبي عَلِيٍّ للمسندِ منه قبلَ اختلاطِه، كما نَقَلَه شيخُنا عن شَيْخِه المُصنِّفِ‏.‏

ومِمَّن اختَلَطَ من المُتأخِّرِينَ الصدرُ سليمانُ الأبشيطيُّ قالَ شَيْخُنا ـ وهو أحدُ من أخَذَ عنه ـ‏:‏ إنَّه حَصَلَتْ له غفلةٌ استحكَمَتْ في آخرِ عُمُرِه، وتَغَيَّرَ قبلَ موتِه قليلاً وعبدُ الرحمنِ بنُ أحمدَ بنِ المُبارَكِ الغزيُّ ابنُ الشيخةِ شيخِ شُيوخِنا قبلَ موتِه بنحوِ أربعةِ أشْهُرٍ، وغيرُهما مِمَّن قبلَهما؛ كسليمانَ بنِ حَسَنِ بنِ أحمدَ بنِ عَمْرِو بنِ أحمدَ البَعْلِيِّ قالَ المُصنِّفُ‏:‏ يُقالُ‏:‏ إِنَّه اختَلَطَ وعبدُ الحقِّ بنُ محمدِ بنِ محمودٍ المَنْبِجِيُّ، وعبدُ الرحيمِ بنُ عبدِ المُحْسِنِ الكمالُ المِنشاويُّ وعبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ هارونَ الطائيُّ الأنْدَلُسِيُّ، والمُوَفَّقُ عبدُ العزيزِ بنُ عَلِيِّ بنِ مُحمدِ بنِ عبدِ اللهِ اللَّخْمِيُّ بن سميطٍ القاضي، ببابِ زويلةَ مِمَّن أخَذَ عنه أبو حَيَّانَ، نَسْأَلُ اللهَ العفوَ والعافيةَ‏.‏

تَتِمَّةٌ‏:‏ رُبَّما يَتَّفِقُ عروضُ ما يُشْبِهُ الاختلاطَ ثم يَحْصُلُ الشفاءُ منه‏,‏ كما حكاه أبو داودَ في سُنَنِه عن مَعْمَرٍ أنَّه قالَ‏:‏ احْتَجَمْتُ فذهَبَ عَقْلِي حتى كُنْتُ أُلَقَّنُ فَاتِحَةَ الكتابِ في صَلاتِي‏.‏ قالَ‏:‏ وكانَ احْتَجَمَ على هَامَتِه، وبَلَغَنِي أنَّ البرهانَ الحلبيَّ عَرَضَ له الفالِجُ، فأُنْسِيَ كلَّ شيءٍ حتى الفاتحةِ ثم عُوفِيَ، وكانَ يَحْكِي عن نفسِه أنَّه صَارَ يَتراجَعُ إليه محفوظُه كالطفلِ شيئاً فشيئاً‏.‏

وأعجَبُ من هذا ما ذكَرَه القاضي عياضٌ أنَّ إبراهيمَ بنَ محمدٍ الحضرميَّ المعروفَ بابنِ الشرفيِّ، والمُتوَفَّى سَنَةَ سِتٍّ وتِسْعِينَ وثلاثِمائةٍ، كانَ قد حصَلَ له قبلَ موتِه بثلاثِينَ شَهراً فالِجٌ‏,‏ فلم يَكُنْ يَنْطِقُ بغيرِ لا إلهَ إلاَّ اللهُ، ولا يَكْتُبُ غيرَ بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ، فكانَ ذلك من آياتِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، ونحوُه ما قالَ محمدُ بنُ إسماعيلَ الصائِعُ‏:‏ كانَ أحمدُ بنُ عُمَيرٍ الوادي- يعني شيخَه- يُحَدِّثُ عن عمرِو بنِ حكامٍ والنَّضْرِ بنِ محمدٍ‏,‏ فانهَدَمَتْ دَارُه وتَقَطَّعَتِ الكتبُ‏,‏ فاختَلَطَ عليهِ حَدِيثُ عمرٍو في حديثِ النضْرِ؛ لأنَّهما جميعاً يُحدِّثانِ عن شُعْبَةَ، وليسَ مرادُه الاختلاطَ المذكورَ وإِنْ قالَ شيخُنا‏:‏ إِنَّه يُلْحَقُ في المُختلطِينَ‏.‏

وقد يَتَغَيَّرُ الحافظُ لكِبَرِه، ويكونُ مَقْبولاً في بعضِ شيوخِه؛ لكثرةِ مُلازَمَتِه له وطولِ صحبتِه إِيَّاه بحيثُ يَصِيرُ حَدِيثُه على ذِكْرِه وحفظِه بعدَ الاختلاطِ والتغَيُّرِ‏,‏ كما كانَ قبلَه؛ كحمَّادِ بنِ سَلَمةَ أحدِ أئمَّةِ المسلمينَ في ثَابتِ البُنانِيِّ؛ ولذا خَرَّجَ له مسلمٌ- كما قَدَّمْتُه- في مراتبِ الصحيحِ، على أنَّ البيهقيَّ قالَ‏:‏ إِنَّ مُسْلِماً اجتهَدَ وأخرجَ من حديثِه عن ثابتٍ بخُصوصِه ما سَمِعَ منه قبلَ تَغَيُّرِه‏.‏ فاللهُ أعلَمُ‏.‏

طبقاتُ الرُّواةِ

992- وللرُّواةِ طَبقاتٌ تُعْرَفُ *** بالسِّنِّ والأَخْذِ وكم مُصَنِّفُ

993- يَغْلَطُ فيها وابنُ سعْدٍ صَنَّفَا *** فيها ولكنْ كم رَوَى عن ضُعَفَا

‏(‏طَبَقاتُ الرواةِ‏)‏ وهو من المُهِمَّاتِ، وفائدتُه الأمنُ من تداخُلِ المُشْتبِهِينَ كالمُتَّفقِينَ في اسمٍ أو كُنيةٍ أو نحوِ ذلك كما بَيَّنَّاه في المُتَّفِقِ والمُفترِقِ، وإمكانُ الاطِّلاعِ على تَبَيُّنِ التدليسِ، والوقوفُ على حقيقةِ المرادِ من العنعنةِ، وبينَه وبينَ التاريخِ عمومٌ وخصوصٌ وَجْهِيٌّ‏,‏ فيَجْتمعانِ في التعريفِ بالرواةِ، ويَنْفرِدُ التاريخُ بالحوادثِ والطبقاتِ‏,‏ بما إذا كانَ في البَدْرِيِّينَ مثلاً مَن تأخَّرَتْ وفاتُه عَمَّن لم يَشْهَدْها؛ لاستلزامِه تَقْدِيمَ المتأخِّرِ الوَفاةِ، وقد فرَّقَ بينَهما بعضُ المتأخِّرِينَ بأنَّ التاريخَ يُنْظَرُ فيه بالذاتِ إلى المواليدِ والوَفِيَّاتِ، وبالعَرَضِ إلى الأحوالِ، والطبقاتِ يُنْظَرُ فيها بالذاتِ إلى الأحوالِ، وبالعَرَضِ إلى المواليدِ والوَفِيَّاتِ، ولكنَّ الأولَ أشْبَهُ‏.‏

‏(‏وللرُّواةِ طَبَقَاتٌ‏)‏ أي‏:‏ مَراتِبُ وأصنافٌ مختلفةٌ، جَمْعُ طَبَقةٍ؛ وهي في اللغةِ‏:‏ القومُ المُتشابِهونَ، ‏(‏وتُعْرَفُ‏)‏ في الاصطلاحِ‏,‏ ‏(‏بالسِّنِّ‏)‏ أي‏:‏ باشتراكِ المتعاصِرِينَ في السِّنِّ ولو تَقْرِيبًا ‏(‏و‏)‏ بـ ‏(‏الأخْذِ‏)‏ عن المشايخِ، ورُبَّما اكتَفَوا بالاشتراكِ في التلاقي‏,‏ وهو غالباً ملازِمٌ للاشتراكِ في السِّنِّ‏.‏

قالَ ابنُ الصلاحِ‏:‏ والباحثُ الناظرُ في هذا الفنِّ يَحتاجُ معرفةَ المواليدِ والوفيَّاتِ، ومَن أخَذُوا عنه ومَن أخَذَ عنهم ونحوُ ذلك، ورُبَّ شَخْصَيْنِ يَكونانِ من طبقةٍ واحدةٍ لتَشابُههما بالنسبةِ إلى جهةٍ، ومن طَبَقتيْنِ بالنسبةِ إلى جهةٍ أخْرَى لا يَتشابهانِ فيها، فأنسُ بنُ مَالِكٍ الأنصاريُّ رضِيَ اللهُ عنه وغَيْرُه من أصاغرِ الصحابةِ معَ العَشَرَةِ رَضِيَ اللهُ عنهم‏,‏ وغيرُهم من أكابرِ الصحابةِ من طَبَقةٍ واحدةٍ إذا نَظَرْنا إلى تَشابُهِم في أصْلِ صفةِ الصُّحْبَةِ، فعلى هذا فالصحابةُ بأسرِهم طبقةٌ أُولَى‏,‏ والتابعونَ طَبَقَةٌ ثانيةٌ، وأتباعُ التابِعِينَ طَبَقَةٌ ثالثةٌ، وهَلُمَّ جَرًّا‏,‏ يعني كما صنَعَ ابنُ حِبَّانَ وغيرُه، وإذا نظَرْنا إلى تفاوتِ الصحابةِ رَضِيَ اللهُ عنهم في سوابقِهم ومراتبِهم كانوا على ما سَبَقَ ذِكْرُه‏,‏ يعني في الصحابةِ بَضْعَ عَشْرَةَ طَبَقَةً، ولا يَكونُ عندَ هذا أنسٌ وغيرُه من أصاغرِ الصحابةِ من طَبَقَةِ العشَرةِ من الصحابةِ‏,‏ بل دُونهَم بطبقاتٍ‏.‏

يعني كما فعَلَ ابنُ سَعْدٍ في الصحابةِ ومَن بعدَهم حيثُ عَدَّدَ الطبقاتِ في كلٍّ منهم‏,‏ قالَ شيخُنا‏:‏ ولكلٍّ منهما وَجْهٌ، ومنهم مَن يجعَلُ- كما قالَ ابنُ كَثِيرٍ- كلَّ طَبَقةٍ أربعينَ سَنَةً، وقدْ يَسْتشهِدُ له بما يُرْوَى أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قالَ‏:‏ ‏(‏إِنَّ طَبَقَاتِ أُمَّتِي خَمْسُ طَبَقَاتٍ، كُلُّ طَبَقَةٍ مِنْهَا أَربَعُونَ سَنَةً، فَطَبَقَتِي وَطَبَقَةُ أصْحَابِ أَهْلِ العِلْمِ وَالإِيمَانِ، وَالَّذِي يَلُونَهُمْ إِلَى الثَّمَانِينَ أهْلُ البِرِّ والتَّقْوَى، والَّذِينَ يَلُونَهُمْ إِلَى العِشْرِينَ وَمِائَةٍ أهْلُ التَّرَاحُمِ وَالتَّوَاصُلِ، وَالَّذِينَ يَلُونَهُمْ إِلَى السِّتِّينَ- يَعْنِي ومِائةٍ- أهْلُ التقاطُعِ والتَّدَابُرِ، والَّذِينَ يَلُونَهُمْ إِلَى المِائَتَيْنِ أهْلُ الهَرْجِ والحُرُوبِ‏)‏‏.‏ رواه يَزِيدٌ الرَّقاشِيُّ وأبو معنٍ‏,‏ وكلاهما في ابنِ مَاجَهْ، وعَبَّادُ بنُ عبدِ الصمدِ أبو مَعْمَرٍ‏,‏ كما في نُسخةِ كاملِ بنِ طَلْحَةَ، ومن طريقِه الدَّيْلَمِيُّ في مُسنَدِه، ثلاثتُهم- وهم ضَعفاءُ- عن أنسٍ، وكذا له شواهِدُ‏,‏ كُلُّها ضِعَافٌ، منها أنَّ عَلِيَّ بنَ حجرٍ رَواهُ عن إبراهيمَ بنِ مُطَهَّرٍ الفِهْرِيِّ وليسَ بعُمدةٍ، عن أبي المَلِحِ بنِ أُسامةَ الهذليِّ‏,‏ عن أبيه، ومنها ما رواه يَحْيَى بنُ عَنْبسةَ القُرَشِيُّ- وهو تَالِفٌ- عن الثوريِّ‏,‏ عن محمدِ بنِ المُنْكَدِرِ‏,‏ عن ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تعالى عنهما نحوَه، وإنَّما أورَدْتُه لكونِه في إحْدَى السُّنَنِ، وكذا يُستشهَدُ لهذا النوعِ في الجملةِ بقولِه صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ‏:‏ ‏(‏خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ‏)‏‏.‏ فذكَرَ بعدَ قرنِه قرنيْنِ أو ثلاثةً‏.‏

‏(‏وكَمْ‏)‏ مَرَّةٍ أو وَقْتٍ ‏(‏مُصَنِّفُ‏)‏ من حُفَّاظِ الأئمَّةِ ‏(‏يَغْلَطُ‏)‏ أو كَمْ يَغْلَطُ مُصَنِّفٌ ‏(‏فيها‏)‏؛ لسببِ الاشتباهِ في المُتَّفقِينَ حيثُ يَظُنُّ أحدَهما الآخرَ‏,‏ أو لسَبَبِ أنَّ الشايعَ روايتُه عن أهلِ طبقةٍ رُبَّما يَرْوِي عن أقدمَ منها‏,‏ كما تَقدَّمَ في آخرِ التابعِينَ،

أو لعَدَمِ تَحَقُّقِ طبقتِه فيَذْكُرُه تَخْمِيناً على وَجْهِ التغريبِ‏,‏ كما اتَّفَقَ للمُقَيَّدِينَ في إدخالِ مَن ليسَ من الشافعيَّةِ مَثَلاً كابنِ هُبَيرةَ الحنبليِّ وأبي بكرٍ الطَّرْطُوسِيِّ المالكِيِّ‏,‏ وكذا من الظنِّ الغالبِ كونُه مُجْتهِداً كالبخاريِّ فيهم، وفي إدخالِ مُصَنِّفِ طبقاتِ الحنفيَّةِ الفخرِ الرازيِّ الشافعيِّ فيهم؛ ولذا قالَ ابنُ الصلاحِ‏:‏ إِنَّه افتضَحَ بسببِ الجهلِ بها غيرَ وَاحِدٍ من المُصنِّفِينَ‏.‏

وفيها تَصانِيفُ كثيرةٌ لأبي عُبَيدٍ القاسِمِ بنِ سَلاَّمٍ وعَلِيِّ بنِ المَدِينِيِّ وإبراهيمَ بنِ المُنْذَرِ الحِزاميِّ وخليفةَ بنِ خَيَّاطٍ ومسلمٍ وأبي الحَسَنِ محمودِ بنِ إِبْرَاهِيمَ بنِ سميعٍ الدِّمَشْقِيِّ وأبي بَكْرٍ أحمدَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الرَّحيمِ بنِ البَرْقِيِّ وأبي عَروبةَ الحَرَّانِيِّ وأبي الشيخِ بنِ حَيَّانَ وأبي عبدِ اللهِ بنِ مَنْدَةَ وأبي بَكْرِ بنِ مَرْدُويَهْ وأبي مسعودٍ أحمدَ بنِ الفُراتِ الرَّازِيِّ وأبي الفَضْلِ الفَلَكِيِّ وأبي عَبْدِ اللهِ، أحمدَ بنِ إِشْكابٍ وأَبِي عبدِ اللهِ محمدِ بنِ جَعْفَرٍ بنِ محمدِ بنِ غَالِبٍ الوَرَّاقِ وأبي إسحاقَ إبراهيمَ بنِ أحمدَ بنِ إبراهيمَ المُسْتملِي البَلْخِيِّ، في آخَرِينَ، منهم من طَوَّلَ، ومنهم مَن اختصَرَ غيرَ مُتقيِّدِينَ أو مُتقَيِّدِينَ بالفقهاءِ؛ إِمَّا مطلقاً كالشيخِ أبي إسحاقَ الشِّيرازيِّ، أو مُقَيَّداً بمذهبٍ كـ ‏(‏المَداركِ‏)‏ للقاضي عِياضٍ، والحنابلةِ للقاضي أبي يَعْلَى ثم ابنِ رَجَبٍ، والشافعيَّةِ لخَلْقٍ، أو بالحُفَّاظِ أو بالقُرَّاءِ كالذَّهَبِيِّ في كلٍّ منهما، للدانيِّ ثم ابنِ الجَزْرِيِّ في القُرَّاءِ أيضاً أن بالنحاةِ كالقطفيِّ وابنِ مَكتومٍ، أو بالبلادِ كطَبَقاتِ المَكِّيِّينَ المتأخِّرِينَ للقاضي بنِ مُفَرِّجٍ، أو النَّيْسابُورِيِّينَ للحاكمِ، أو بغيرِ ذلك، كُلُّه مِمَّا بَسَطْتُه في غيرِ هذا المَحلِّ‏.‏

‏(‏وابنُ سَعْدٍ‏)‏ بنِ مَنِيعٍ، وهو أبو عبدِ اللهِ محمدٌ الهاشميُّ، مولاهم البَصْرِيّ الحافظُ نَزِيلُ بغدادَ وكاتبُ محمدِ بنِ عُمَرَ بنِ واقدٍ الأسلميِّ الواقديِّ أيضاً ‏(‏صَنَّفَا فيها‏)‏ أي‏:‏ في الطبقاتِ ثلاثةَ تَصانِيفَ، والكبيرُ منها كتابٌ حَفِيلٌ جَلِيلٌ كثيرُ الفائدةِ‏,‏ أثنى عليه وعلى مُصَنِّفِه الخطيبُ فقالَ‏:‏ كانَ من أهلِ العلمِ والفضلِ، صَنَّفَ كتاباً كبيراً في طبقاتِ الصحابةِ والتابِعِينَ إلى وَقْتِه، فأجادَ فيه وأحْسَنَ‏.‏ انتَهَى‏.‏

وهو في نَفْسِه ثِقَةٌ ‏(‏ولَكِنْ كَمْ رَوَى‏)‏ في كتابِه المذكورِ ‏(‏عن‏)‏ أُناسٍ ‏(‏ضُعَفَا‏)‏‏,‏ منهم شيخُه الواقديُّ مُقْتصِراً كثيراً على اسمِه واسمِ أبيهِ من غيرِ تمييزٍ بنسبتِه ولا غيرِها، ومنهم هشامُ بنُ محمدِ بنِ السائبِ‏,‏ فأكثَرَ عنهما‏,‏ ومنهم نصرُ بنُ بابٍ أبو سهلٍ الخُراسانِيُّ معَ قولِه فيه‏:‏ إِنَّه نزَلَ بغدادَ فسَمِعوا منه ورَوَوْا عنه، ثم حَدَّثَ عن إبراهيمَ الصائِغِ فاتَّهَموهُ‏,‏ فتَرَكوا حديثَه، والمرءُ قد يُضَعَّفُ بالروايةِ عن الضعفاءِ مثلُ هؤلاءِ‏,‏ لا سِيَّما معَ عدمِ تَمْيِيزِهم ومعَ الاستغناءِ عنهم بمَن عندَه من الثِّقاتِ الأئمَّةِ، ولا شَكَّ أنَّ مِن شيوخِ ابنِ سَعْدٍ ‏[‏هُشْيَماً والوليدَ بنِ مُسلِمٍ وابنَ عُيَيْنَةَ وابنَ عُلَيَّةَ وابنَ أَبِي فُدَيكٍ، وأبا ضَمْرَةَ أنسَ بنَ عِيَاضٍ ويَزِيدَ بنَ هَارُونَ ومعنَ بنَ عِيسَى وأبا الوَليدِ الطَّيَالِسِيَّ، ووَكِيعاً وأبا أحمدَ الزُّبيريَّ وغيرَهم‏]‏، وكَتَبَ عن أقرانِه ومن هو أصْغَرُ منه، على أنَّ أحمدَ بنَ كامِلٍ قالَ‏:‏ سَمِعْتُ الحُسَيْنَ بنَ فهمٍ يقولُ‏:‏ كُنْتُ عندَ مُصْعَبٍ الزُّبَيريِّ، فمَرَّ بنا ابنُ مَعِينٍ فقالَ له مُصْعَبٌ‏:‏ يا أبا زَكَرِيَّا، حَدَّثَنا محمدُ بنُ سعدٍ الكاتبُ بكذا وكذا‏.‏ فقالَ يَحْيَى‏:‏ كَذَبَ، ولكنْ قد قالَ الخطيبُ‏:‏ أظُنُّ الحديثَ الذي ذكَرَه مُصْعَبٌ عنه لابنِ مَعِينٍ من المناكيرِ التي يَرْوِيها الواقديُّ، وإِلاَّ فقَدْ قالَ ابنُ أَبِي حَاتِمٍ‏:‏ سألْتُ أبي عنه‏.‏ فقالَ‏:‏ يَصْدُقُ، رَأَيْتُه جاءَ إلى القواريريِّ وسألَه عن أحاديثَ فحَدَّثَه‏.‏ قالَ الخطيبُ‏:‏ وهو عندَنا من أهلِ العدالةِ، وحَدِيثُه يَدُلُّ على صِدْقِه؛ فإِنَّه يَتحَرَّى في كثيرٍ من رواياتِه‏.‏ وقالَ ابنُ فَهْمٍ‏:‏ كانَ كثيرَ العلمِ والكتبِ والحديثِ والغريبِ والفِقْهِ‏.‏ وقالَ الذهبيُّ‏:‏ ظَهَرَتْ فضائلُه ومعرفتُه الواسعةُ، وقد أخرَجَ له أبو داودَ في سُننِه عن واحدٍ عنه حكايةً،

ماتَ ببغدادَ في جُمادَى الآخرةِ سَنَةَ ثَلاثِينَ ومائتيْنِ‏,‏ وهو ابنُ اثنتيْنِ وسِتِّينَ سنةً‏.‏

تنبيهٌ‏:‏ كذا وقَعَ في النُّسخِ المتداولةِ من النظْمِ‏:‏ ‏(‏وكم مُصَنَّفُ‏)‏ بالرفعِ‏,‏ فخَرَّجْناه على إحْدَى الرواياتِ في قولِه‏:‏

كَمْ عَمَّةٌ لَكَ يَا جَرِيرُ وخَالَةٌ *** فدُعاءُ قَدْ حَلَبَتْ عَلَيَّ عِشَارِي

وعلى أنَّه فاعِلُ ‏(‏يَغْلَطُ‏)‏ قُدِّمَ لضيقِ النظْمِ، والجملةُ خَبَرِيَّةٌ، ولكنْ قد عزَى البُرْهانُ الحلبيُّ لخَطِّ الناظمِ ما لا يحتاجُ معَه إلى مزيدِ تَكلُّفٍ فقالَ‏:‏

وللرُّواةِ طَبَقَاتٌ فاعْرِفِ *** بالسِّنِّ والأخذِ وكَمْ مُصَنِّفِ‏.‏

الْمَوَالِي مِن العُلماءِ والرُّوَاةِ

994- ورُبَّمَا إلى القَبِيلِ يُنْسَبُ *** مَوْلَى عَتَاقَةٍ وهذا الأَغْلَبُ

995- أو لوَلاَءِ الْحِلْفِ كالتَّيْمِيِّ *** مالِكٍ او للدِّينِ كالْجُعْفِيِّ

996- ورُبَّمَا يُنْسَبُ مَوْلَى الْمَوْلَى *** نحوُ سعيدِ بنِ يَسارٍ أَصْلاً

‏(‏المَوالِي من العلماءِ والرُّواةِ‏)‏ وهو مِن المُهِمَّاتِ‏,‏ لا سِيَّما ‏(‏ورُبَّما إلى القبيلِ‏)‏ أي‏:‏ القبيلةِ‏,‏ إحْدَى القبائلِ‏,‏ وهي البُطونُ التي هو الأصْلُ في النِّسْبةِ ‏(‏يُنْسَبُ مَوْلَى عَتَاقَةٍ‏)‏؛ كأبي العَالِيَةِ رَفِيعٍ الرِّياحيِّ التميميِّ التابعيِّ كانَ مَوْلَى امرأةٍ من بَنِي رِياحٍ،

ومكحولٍ الشاميِّ الهذليِّ كانَ- كما قالَ الزُّهْرِيِّ- عبداً نُوبِيًّا أعْتَقَتْهُ امرأةٌ من هُذَيْلٍ، وأبي البختريِّ سعيدِ بنِ فَيْرُوزَ الطَّائِيِّ وعبدِ اللهِ بنِ المُبارَكِ الحَنْظَلِيِّ وعبدِ اللهِ بنِ صالِحٍ الجُهَنِيِّ كاتِبِ الليثِ وغيرِهم معَ إطلاقِ النسبةِ في كلٍّ منهم بحيثُ يُظَنُّ أنه مِمَّن نُسِبَ كذلك صَلِيبَةٌ أي‏:‏ من وَلَدِ الصُّلْبِ‏.‏

‏(‏وهذا‏)‏ أي‏:‏ الانتسابُ للعَتاقةِ وإنْ كانَ قَلِيلاً بالنسبةِ للأصلِ في الانتسابِ والحقيقةِ ‏(‏هو الأغْلَبُ‏)‏ بالنظرِ لِمَا بعدَه، فالخارجُ عن الأصلِ والظاهرِ إِمَّا للعَتاقةِ كما تَقرَّرَ‏,‏ ‏(‏أو لوَلاءِ الحِلْفِ‏)‏ الذي أصلُه المعاقدةُ والمعاهدةُ على التعاضُدِ والتساعدِ والاتفاقِ، وأبطَلَ الإسلامُ منه ما كانَ في الجَاهِلِيَّةِ على الفِتَنِ والقتالِ بينَ القبائلِ والغاراتِ دونَ نَصْرِ المظلومِ وصِلَةِ الأرحامِ، وهم جَمَاعَةٌ ‏(‏كالتَّيْمِيِّ‏)‏ بالتشديدِ‏,‏ هو وما بعدَه ‏(‏مالكٍ‏)‏ هو ابنُ أنَسٍ‏,‏ إمامِ دارِ الهجرةِ‏,‏ فهو حِمْيَرِيٌّ أصبحيٌّ صَلِيبَةً‏,‏ ولكن لكونِ نَفَرِه أصبحَ حُلفاءُ عُثْمَانَ بنِ عُبَيدِ اللهِ بنِ عُثْمَانَ بنِ عَمْرِو بنِ كَعْبِ بنِ سَعِيدِ بنِ تَيْمِ بنِ مُرَّةَ القُرَشِيِّ التَّيْمِيِّ أَخِي طَلْحَةَ، نُسِبَ تَيْمِيًّا، أو لولاءِ المصاحبةِ بإجارةٍ أو تَعَلُّمٍ أو نحوِ ذلك كمالكٍ أيضاً؛ فإِنَّه قيلَ‏:‏ إِنَّما انتَسَبَ تَيْمِيًّا؛ لكونِ جَدِّه مالكِ بنِ أبي عَامِرٍ كانَ عَسِيفاً‏,‏ أي‏:‏ أجيراً لطَلْحَةَ بنِ عُبَيدِ اللهِ المذكورِ حِينَ كانَ طَلْحَةُ يَخْتَلِفُ في التجارةِ‏,‏ وكمُقْسِمٍ، قيلَ له‏:‏

مَوْلَى ابنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ تعالى عنهما؛ لمُلازَمَتِه له‏,‏ كما سَلَفَ في المَنْسوبِينَ إلى خلافِ الظاهرِ، وعندَ الطَّبَرانيِّ مَرْفوعاً‏:‏ ‏(‏مَنْ عَلَّمَ عَبْداً آيَةً مِنْ كِتَابِ اللهِ تَعَالَى فَهُوَ مَوْلاهُ‏)‏ الحديثَ‏.‏

ونحوُه قولُ شُعْبَةَ‏:‏ مَن كَتَبْتُ عنه حَدِيثاً فأنا له عبدٌ أو الديوانُ كالليثِ بنِ سَعْدٍ الفَهْمِيِّ؛ فإِنَّه مَوْلَى قُرَيشٍ، ولكنْ لكونِهم افْتَرَضوا في فَهْمِ نَسَبٍ إليهم، أو للاسترضاعِ كعبدِ اللهِ بنِ السَّعْدِيِّ الصحابيِّ‏,‏ فقدْ قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ في ‏(‏الاستيعابِ‏)‏‏:‏ إنَّه إِنَّما قيلَ لأبيهِ السَّعْدِي؛ لكونِه استُرْضِعَ له في بَنِي سعدِ بنِ بَكْرٍ‏,‏ أو للمُجاوَرِة‏.‏

‏(‏او لـ‏)‏ وَلاءِ ‏(‏الدِّينِ‏)‏ والإسلامِ ‏(‏كالجُعْفِيِّ‏)‏ بضَمِّ الجيمِ ثم مهملةٍ سَاكنةٍ وفَاءٍ إمامِ الصنعةِ أبي عبدِ اللهِ محمدِ بنِ إسماعيلَ بنِ إبراهيمَ بنِ المُغِيرَةِ البخاريِّ؛ فإِنَّه انتَسَبَ كذلك؛ لأنَّ جَدَّ أبيهِ المُغِيرَةُ كانَ مَجُوسِيًّا فأسْلَمَ على يَدِ اليَمَانِ بنِ أخْنَسَ الجُعْفِيِّ والِدِ جَدِّ عبدِ اللهِ بنِ مُحمدِ بنِ جعفرِ بنِ يَمَانٍ المُسْنَدِيِّ الجُعفِيِّ شيخِ البخاريِّ‏,‏ وكأبي عَلِيٍّ الحسنِ بنِ عِيسَى بنِ ماسرجسَ الماسَرْجِسِيِّ‏,‏ بفتحِ السينِ المهملةِ وكسرِ الجيمِ؛ فإنَّه كانَ نَصْرانِيًّا وأسْلَمَ على يَدِ ابنِ المُبارَكِ، فقِيلَ له‏:‏ مَوْلَى ابنِ المُبارَكِ وكإبراهيمَ بنِ دَاوُدَ الآمديِّ أحدِ شيوخِ شَيْخِنا؛ فإِنَّه أسْلَمَ على يَدِ التَّقِيِّ ابنِ تَيْمِيَّةَ فعُرِفَ به، أو لغيرِ ذلك مِمَّا لا نُطِيلُ به‏,‏ مِمَّا أشارَ البخاريُّ في تفسيرِ النساءِ من صَحيحِه، لبعضِه، وقالَ أبو إسحاقَ الزجَّاجُ‏:‏ كُلُّ مَن يَلِيكَ أو وَالاكَ فهو مَوْلًى‏.‏

‏(‏ورُبَّمَا‏)‏ توسَّعَ حيثُ ‏(‏يُنْسَبُ‏)‏ للقبيلةِ مَن يكونُ ‏(‏مَوْلَى المَوْلَى‏)‏ لها ‏(‏نحوُ سعيدِ بنِ يَسارٍ‏)‏ بتحتانيَّةٍ مُثنَّاةٍ ثم مُهملةٍ خَفِيفَةٍ، أبي الحُبَابِ الهاشميِّ؛ فإِنَّه لكونِه مَوْلَى شقرانَ مَوْلَى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ نُسِبَ ‏(‏أصْلاً‏)‏ أي‏:‏ للأصلِ بَنِي هَاشِمٍ، وعلى هذا اقتصَرَ ابنُ الصلاحِ، وقيلَ‏:‏ إِنَّه مَوْلَى الحسنِ بنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عنهما‏.‏

وقيلَ‏:‏ مَوْلَى أمِّ المُؤْمِنِينَ مَيْمُونَةَ رضِيَ اللهُ عنها، وقيلَ‏:‏ مَوْلَى بَنِي النجَّارِ، وعليهما فليسَ بمَوْلًى لبني هاشمٍ، وكعبدِ اللهِ بنِ وَهْبٍ القُرَشِيِّ الفِهْرِيِّ المِصْرِيِّ؛ فإِنَّه مَوْلَى يَزِيدَ بنِ رمانةَ، ويَزِيدُ مَوْلَى يَزِيدِ بنِ أُنَيْسٍ الفِهْرِيِّ، وفي وَقْتِنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ بركوتَ المَكِينيُّ، نُسِبَ لمَكِينِ الدينِ اليَمَنِيِّ؛ لكونِه مُعْتِقُ سَيِّدِ مُعْتِقِ بَركوتَ‏.‏

وقدْ أفرَدَ الموالِيَ لكن من المِصْرِيِّينَ خَاصَّةً أبا عُمَرَ محمدَ بنِ يُوسُفَ بنِ يَعْقُوبَ الكِنْدِيَّ، وأفْرَدْتُ موالِيَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ خاصَّةً في كَرَّاسَةٍ‏,‏ ولا يُعْرَفُ تَمْيِيزُ كُلُّ هذا إلا بالتنصيصِ عليه، وهو من الضَّرُوريَّاتِ؛ لاشتراطِ حقيقةِ النسبِ في الإمامةِ العُظْمَى، والكفاءةِ في النكاحِ والتوارثِ وغيرِها من الأحكامِ الشرعيَّةِ، ولاستحبابِ التقديمِ به في الصلاةِ وغيرِها، وإنْ كانَ قد وَرَدَ في الحديثِ الصحيحِ‏:‏ ‏(‏مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ‏)‏‏.‏ وقالَ أبو دَاوُدَ في سُنَنِه عن أبي جَعْفَرٍ محمدِ بنِ عِيسَى بنِ الطَّبَّاعِ‏:‏ كُنَّا نَقولُ‏:‏ إِنَّه- يعني عَنْبَسَةَ بنَ عَبدِ الواحدِ القُرَشِيَّ ـ من الأبدالِ قبلَ أنْ نَسْمَعَ أنَّ الأبدالَ من الموالي‏,‏ وكانَ جماعةٌ من ساداتِ العلماءِ في زَمَنِ السلفِ من الموالي‏,‏ فرَوَى مسلمٌ في صحيحِه أنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ تعالى عنه لَمَّا تَلَقَّاهُ نَائِبُ مَكَّةَ إلى أثناءِ الطريقِ في حَجٍّ أو عُمْرَةٍ قالَ له‏:‏ مَن استخلَفْتَ على أهلِ الوادي‏؟‏ قالَ‏:‏ ابنُ أبْزَى‏.‏ قالَ‏:‏ ومَن ابنُ أبْزَى‏؟‏ قالَ‏:‏ رجُلٌ من المَوالِي‏.‏ فقالَ‏:‏ أمَا إِنِّي سَمِعْتُ نَبِيَّكُمْ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقولُ‏:‏ ‏(‏إِنَّ اللهَ تَعَالَى يَرْفَعُ بِهَذَا الْعِلْمِ أَقْوَاماً وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ‏)‏‏.‏

وذكَرَ الزُّهْرِيُّ أنَّ عبدَ الملكِ بنَ مَرْوانَ، قالَ له‏:‏ مَن يَسودُ أهلَ مَكَّةَ‏؟‏ فقلتُ‏:‏ عَطَاءٌ‏.‏ قالَ‏:‏ فأهلَ اليَمَنِ‏؟‏ قُلْتُ‏:‏ طَاوُسٌ‏.‏ قالَ‏:‏ فأهْلَ الشامِ‏؟‏ قُلْتُ‏:‏ مَكْحولٌ‏.‏ قالَ‏:‏ فأهْلَ مِصْرَ‏؟‏ فقلتُ‏:‏ يَزِيدُ بنُ أَبِي حَبِيبٍ‏.‏ قال‏:‏ فأهْلَ الجزيرةِ‏؟‏ فقُلْتَ‏:‏ مَيْمُونُ بنُ مِهْرَانَ‏.‏ قالَ‏:‏ فأهلَ خُرَاسَانَ‏؟‏ قُلْتُ‏:‏ الضَّحَّاكُ بنُ مُزاحِمٍ‏.‏ قالَ‏:‏ فأهلَ البصرةِ‏؟‏ فقلتُ‏:‏ الحسنُ بنُ أَبِي الحَسَنِ‏.‏ قالَ‏:‏ فأهلَ الكوفةِ‏؟‏ فقلتُ‏:‏ إبراهيمُ النَّخَعِيُّ‏.‏ وذُكِرَ أنَّه يَقولُ له عندَ كلِّ واحدٍ‏:‏ من العَرَبِ أم من الموالي‏؟‏ قالَ فيَقولُ‏:‏ مِن الموالي إِلاَّ النَّخَعِيَّ؛ فإِنَّه من العَرَبِ‏,‏

فقالَ له‏:‏ وَيْلَكَ يَا الزُّهْرِيُّ‏!‏ فرَّجْتَ عَنِّي‏.‏ يعني لذِكْرِه عَرَبِيًّا‏,‏ ثم قالَ‏:‏ واللهِ لَتَسُودَنَّ الموالي على العربِ حتى يُخْطَبَ لها على المنابرِ والعَرَبُ تحتَها، فقلتُ‏:‏ يا أميرَ المؤمنينَ إِنَّما هو أمرُ اللهِ ودِينُه، فمَن حَفِظَه سَادَ، ومن ضَيَّعَه سَقَطَ‏.‏

قالَ المُصنِّف‏:‏ وهذا مِن عبدِ المَلِكِ إِمَّا فَراسةً‏,‏ أو بَلَغَه من أهلِ العلمِ أو أهلِ الكتابِ، قالَ ابنُ الصلاحِ‏:‏ وفيما نَرْويهِ عن عبدِ الرحمنِ بنِ زَيدِ بنِ أسْلَمَ قالَ‏:‏ لَمَّا ماتَ العَبادِلَةُ صَارَ الفِقْهُ في جميعِ البُلْدانِ إلى الموالي إِلاَّ المدينةَ؛ فإنَّ اللهَ خَصَّها بقُرَشِيٍّ‏,‏ فكانَ فَقِيهُها بغيرِ مُدافِعٍ سعيدَ بنَ المُسَيِّبِ، ثم قالَ ابنُ الصلاحِ‏:‏ وفي هذا بعضُ الميلِ، فقدْ كانَ حينَئذٍ من العربِ غيرِ ابنِ المُسَيِّبِ فُقهاءُ أئمَّةٌ مُشاهِيرُ، منهم الشَّعْبِيُّ والنَّخَعِيُّ‏,‏ بل جميعُ فُقهاءِ المدينةِ السبعةِ الذينَ منهم ابنُ المُسَيِّبِ عَرَبٌ سِوَى سُلَيْمانَ بنِ يَسَارٍ، قالَ البُلْقِينِيُّ‏:‏ ويُمْكِنُ أنْ يقالَ‏:‏ إِنَّ الشَّعْبِيَّ والنَّخَعِيَّ لم يَكُونَا حِينَ مَوْتِ العَبادَلةِ في طبقةِ سعيدٍ، وما عداهما فهم بالمدينةِ‏.‏

وسألَ بعضُ الأعرابِ رجلاً من أهلِ البصرةِ‏:‏ مَن سَيِّدُ هذه البلدةِ‏؟‏ قالَ‏:‏ الحَسَنُ بنُ أبي الحَسَنِ البصريُّ‏.‏ قالَ‏:‏ أمَوْلًى هو‏؟‏ قالَ‏:‏ نَعَمْ‏.‏ قالَ‏:‏ فبِمَ سادَهم‏؟‏ فقالَ‏:‏ بحاجَتِهم إلى عِلْمِه وعدمِ احتياجِه إلى دنياهم‏.‏ فقالَ الأعرابيُّ‏:‏ هذا لعَمْرُ أَبِيكَ هو السُّؤْدَدُ‏.‏ ونحوُه قولُ عبدِ الملكِ للزُّهْرِيِّ في القِصَّةِ الماضيةِ‏:‏ وبِمَ سَادَهم عَطَاءٌ‏؟‏

قُلْتُ‏:‏ بالديانةِ والرِّوايةِ‏.‏ قالَ‏:‏ إنَّ أهلَ الديانةِ والروايةِ لَيَنبَغِي أنْ يَسُودُوا‏.‏ وقالَ الشَّاطِبِيُّ‏:‏

أبو عُمَرَ هُمْ وَاليحصبيُّ بنُ عَامِرٍ *** صَرِيحٌ وبَاقِيهِمْ أَحَاطَ بِهِ الوَلاَ‏.‏

واعلَمْ أنَّ المَوْلَى من الأسماءِ المُشترِكةِ بالاشتراكِ اللفظيِّ الموضوعةِ لكلِّ واحدٍ من الضدَّيْنِ؛ إذْ هي مَوْضوعةٌ للمَوْلَى من أعْلَى‏,‏ وهو المُنْعِمُ المُعْتِقُ‏,‏ بكسرِ المُثنَّاةِ‏,‏ والمَوْلَى من أسفلَ‏,‏ وهو المُعْتَقُ بفتحِها، ومعرفةُ كُلٍّ مِنهما مُهِمَّةٌ؛ ولذا قالَ شَيْخُنا في النُّخْبةِ‏:‏ ومَعْرِفَةُ الموالي من أعلى ومن أسفلَ، وغَفَلَ الكمالُ الشَمَنِيُّ في شرحِ هذا الموضعِ منها عن مُرادِه‏,‏ فجعَلَ مَوْلَى المَوْلَى هو الأسفلَ‏,‏ وما عَداهُ الأعْلَى، وتَبِعَه وَلَدُه رَحْمَةُ اللهِ تعالى عليهما‏.‏

أوطانُ الرُّواةِ وبلدانُهم

997- وضاعَتِ الأنسابُ في البُلْدَانِ *** فنُسِبَ الأكثَرُ للأوطانِ

998- وإنْ يَكُنْ في بَلْدَتَيْنِ سَكَنَا *** فابْدَأْ بالُاولَى وبِثُمَّ حَسُنَا

999- ومَن يَكُنْ مِن قَريةٍ مِن بَلْدَةِ *** يُنْسَبْ لكُلٍّ وإلى الناحِيَةِ

1000- وكَمَلَتْ بطَيْبَةَ الْمَيمونهْ *** فبَرَزَتْ مِن خِدْرِها مَصُونَهْ

1001- فَرَبُّنَا المحمودُ والْمَشْكُورُ *** إليه مِنَّا تَرْجِعُ الأمورُ

1002- وأفْضَلُ الصلاةِ والسلامِ *** على النبيِّ سَيِّدِ الأنامِ

‏(‏أَوْطانُ الرُّواةِ وبُلْدَانُهم‏)‏ وهو مُهِمٌّ جليلٌ يَعتنِي به كثيرٌ من علماءِ الحديثِ، لا سِيَّما ورُبَّما يَتبيَّنُ منه الراوي المُدَلِّسُ وما في السندِ من إرسالٍ خَفِيٍّ، ويَزولُ به تَوَهُّمُ ذلك‏,‏ وقد استشكَلَ بعضُ الحُفَّاظِ رِوايةَ يُونُسَ بنِ محمدٍ المُؤَدِّبِ عن الليثِ؛ لاختلافِ بَلَدَيْهما‏,‏ وسألَ المِزِّيُّ‏:‏ أينَ سَمِعَ منه‏؟‏ فقالَ‏:‏ لَعلَّه في الحَجِّ ثم قالَ‏:‏ بل في بَغْدادَ حِينَ دُخولِ الليثِ لها في الرسليةِ، ويَتمَيَّزُ به أحَدُ المُتَّفقَيْنِ من الآخرِ‏,‏ كما تَقدَّمَ في سابعِ أقسامِ المُتَّفِقِ والمُفْترِقِ‏,‏ ومن مَظانِّه ‏(‏الطَّبقاتُ‏)‏ لابنِ سَعدٍ‏,‏ كما قالَ ابنُ الصلاحِ، و‏(‏تَواريخُ البُلْدانِ‏)‏، وأحْسَنُ ما أُلِّفَ فيه وأجْمَعُه ‏(‏الأنسابُ‏)‏ لابنِ السَّمعانِيِّ، وفي مُخْتصَرِه لابنِ الأثيرِ فَوَائِدُ مُهِمَّةٌ، وكذا للرشاطيُّ ‏(‏الأنسابُ‏)‏، واختصَرَه المجد الحنفيُّ‏.‏

‏(‏و‏)‏ قد كانتِ العَرَبُ إِنَّما يُنْسَبونَ إلى الشعوبِ والقبائلِ والعمائرِ والعشائرِ والبيوتِ، قالَ اللهُ تعالى‏:‏ ‏(‏وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا‏)‏ ‏[‏الحجرات‏:‏ 13‏]‏‏.‏ والعَجَمُ إلى رَسَاتيقِها؛ وهي القُرَى وبُلْدانُها، وبَنُو إسرائيلَ إلى أسباطِها، فلَمَّا جاءَ الإسلامُ وانتشَرَ الناسُ في الأقاليمِ والمُدِنِ والقُرَى ‏(‏ضَاعَتْ‏)‏ كثيراً ‏(‏الأنسابُ‏)‏ العربيَّةُ المشارُ إليها ‏(‏في البُلْدانِ‏)‏ المُتفَرِّقَةِ‏,‏ ‏(‏فنُسِبَ الأكثرُ‏)‏ من المُتأخِّرِينَ منهم‏,‏ كما كَانَتِ العَجَمُ تَنْتَسِبُ ‏(‏للأوطانِ‏)‏؛ جَمْعُ وَطَنٍ وهو مَحلُّ الإنسانِ مِن بَلْدةٍ أو ضَيْعةٍ أو سِكَّةٍ‏,‏ وهي الزُّقاقُ أو نحوُها، وهذا وإنْ وقَعَ في المُتقَدِّمِينَ أيضاً فهو قليلٌ، كما أنَّه يَقَعُ في المتأخِّرِينَ أيضاً النسبةُ إلى القبائلِ بقِلَّةٍ‏.‏

ثُمَّ إِنَّه لا فَرْقَ فيمَن يَنْتَسِبُ إلى مَحَلٍّ بينَ أنْ يَكُونَ أصليًّا منه أو نازلاً فيه، بل ومُجاوراً له‏,‏ كما صرَّحَ به شيخُنا؛ ولذلك تُعَدَّدُ النسبةُ بحَسَبِ الانتقالِ، ولا حَدَّ للإقامةِ المُسَوِّغَةِ للنسبةِ بزمنٍ، وإنْ ضَبَطَه ابنُ المُبارَكِ بأربعِ سِنِينَ‏,‏ فقدْ تَوَقَّفَ فيه ابنُ كثيرٍ حيثُ قالَ‏:‏ وقالَ بعضُهم‏:‏ إِنَّما يُسَوَّغُ الانتسابُ إلى البلدِ إذا قامَ فيه أربعَ سِنِينَ فأكثرَ‏.‏ ثم قالَ‏:‏ وفيه نَظَرٌ‏.‏ بل قالَ البُلْقينِيُّ‏:‏ إنَّه قولٌ ساقطٌ لا يقومُ عليه دليلٌ‏,‏ فإذا أرَدْتَ نسبةَ مَن يكونُ من مُرادَ المجاورةِ لنابُلْسَ قُلْتَ‏:‏ النَّابُلْسِيُّ‏.‏ وهو نوعٌ من التدليسِ‏.‏

‏(‏وإِنْ يَكُنْ فِي بَلْدَتَيْنِ سَكَنَا‏)‏ بأن انتقَلَ من الشامِ إلى العراقِ أو من دِمَشْقَ إلى مصرَ، وأردْتَ نسبتَه إليهما ‏(‏فابْدَأْ بـ‏)‏ البلدةِ ‏(‏الُاولَى‏)‏ بالنقْلِ‏,‏ ‏(‏وبِثُمَّ‏)‏ في الثانيةِ المُنْتقَلِ إليها ‏(‏حَسُنَا‏)‏ أي‏:‏ حَسُنَ الإتيانُ فيها بثُمَّ، فيُقالُ‏:‏ الشَّامِيُّ ثم العراقيُّ أو الدِّمَشْقِيُّ ثم المِصْرِيُّ، وجَمْعُهما أحسنُ مِمَّا لو اقتُصِرَ على أحدِهما‏.‏

‏(‏ومَنْ يَكُنْ‏)‏ من الرواةِ ‏(‏مِن قريةٍ‏)‏ كداريا ‏(‏من‏)‏ قُرَى ‏(‏بلدةِ‏)‏ كدِمَشْقَ ‏(‏يُنْسَبْ‏)‏ جَوازاً ‏(‏لكُلٍّ‏)‏ من القريةِ والبلدةِ‏,‏ بل ‏(‏وإِلَى الناحيةِ‏)‏ التي منها تلك البلدةُ، وتُسَمَّى الإقليمَ أيضاً؛ كالشامِ فيُقالُ فيه‏:‏ الدَّارِيُّ أو الدِّمَشْقِيُّ أو الشاميُّ، لكن خَصَّه البُلْقِينِيُّ بما إذا كانَ اسمُ المدينةِ يُطْلَقُ على الكلِّ، وإِنَّه إذا لم يَكُنْ كذلك فالأقْرَبُ مَنْعُه، فإنَّ الانتسابَ إِنَّما وُضِعَ للتعارُفِ وإزالةِ الإلباسِ‏.‏

وإنْ أُرِيدَ الجمعُ بينَ الثلاثةِ فهو مُخَيَّرٌ بينَ الابتداءِ بالأعَمِّ فيقولُ‏:‏ الشامِيُّ الدِّمَشْقِيُّ الدَّارِيُّ، أو بالقريةِ التي هو منها فيَقولُ‏:‏ الدَّارِيُّ الدِّمَشْقِيُّ الشاميُّ؛ إذ المقصودُ التعريفُ والتمييزُ‏,‏ وهو حاصِلٌ بكلٍّ منهما، نعمْ إنْ كانَ أحَدُهما أوضحَ في ذلك‏,‏ فهو أَوْلَى‏,‏ ثم إِنَّه رُبَّما تَقَعُ الزيادةُ على الثلاثةِ فيقالُ لمَن سَكَنَ الخصوصَ مَثَلاً- قَرْيَةٌ من قُرْىَ منيةَ بني خَصِيبٍ-‏:‏ الخصوصيِّ المَناوِيُّ الصَّعِيدِيُّ المِصْرِيُّ، وإِنَّما كانَ كذلك باعتبارِ أنَّ الناحيةَ قد تَكُونُ فَوْقَها ناحيةٌ أُخْرَى أَوْسَعُ دَائِرَةً منها بأنْ تَتَناوَلَ تلك الناحيةَ المخصوصةَ وغيرَها من النواحي‏,‏ وباعتبارِ ذلك يقَعُ التعَدُّدُ لأزْيَدَ من هذا أيضاً‏.‏

إذا عُلِمَ هذا فقَدْ تَقَعُ النسبةُ أيضاً إلى الصنائعِ؛ كالخَيَّاطِ، وإلى الحِرَفِ كالبَزَّازِ، وتَقَعُ ألْقَاباً؛ كخَالِدِ بنِ مَخْلَدٍ الكوفيِّ القطوانيِّ، وكانَ يَغْضَبُ منها، ويقَعُ في كُلِّها الاتِّفاقُ والاشتباهُ كالأسماءِ‏.‏

فائدةٌ‏:‏ الشعوبُ‏:‏ القبائلُ العِظامُ‏,‏ وقِيلَ‏:‏ الجماعُ التي تَجْمَعُ مُتفَرِّقاتِ البُطونِ، واحدُها شِعْبٌ، والقَبَائِلُ البُطونُ، وهي كما قالَ الزجَّاجُ للعربِ كالأسباطِ لبَنِي إسرائيلَ‏,‏ بل يُقالُ لكُلِّ ما جُمِعَ على شيءٍ وَاحِدٍ قَبِيلٌ؛ أخْذاً من قبائلِ الشجرةِ‏,‏ وهي غُصونُها، أو من قبائلِ الرأسِ، وهي أعضاؤُها، سُمِّيَتْ بذلك؛ لاجْتِماعِها، والعمائرُ جَمْعُ عِمارَةٍ بالكسرِ والفتحِ، قيلَ‏:‏ الحَيُّ العظيمُ يُمْكِنُه الانفرادُ بنفسِه، وهي فوقَ البطنِ، والبيوتُ جَمْعُ بَيْتٍ‏,‏ ومنه قولُ العَبَّاسِ في النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ‏:‏

حتى احْتَوى بَيْتُكَ المُهَيْمِنُ من *** خِنْدِفَ عَلْياءَ، تحتَها النُّطُقُ

أرادَ شَرَفَه‏,‏ فجَعَلَه في أعْلَى خِنْدِفَ بَيْتاً، ولهم الأسرةُ، والبطنُ، والجذمُ والجماعُ، والجمهورُ، والحَيُّ، والرَّهْطُ، والذُّرِّيَّةُ، والعِتْرَةُ، والعَشيرةُ، والفَخْذُ والفَصيلةُ مِمَّا لشَرْحِه وبيانِ مراتبِه غيرُ هذا المَحَلِّ‏.‏

‏(‏وكَمَلَتْ‏)‏ بتثليثِ الميمِ‏,‏ والفتحُ أفصحُ، أي‏:‏ المنظومةُ في يومِ الخميسِ ثالثِ جُمَادَى الآخرةِ سَنَةَ ثمانٍ وسِتِّينَ وسَبْعِمائةٍ معَ الإحاطةِ بأنَّ ما اقتَصَرَ عليه في أصْلِها‏,‏ ليسَ حَصْراً لفُنونِها؛ ولذا أدْرَجْتُ في شرحِها ما كانَ مُناسِباً لها من الزوائدِ مِمَّا وقَعَ في كلامِ بعضِ الأئمَّةِ، أو أُفرِدَ بالتأليفِ جملةً كالصالحِ عندَ قولِه في الحَسَنِ‏:‏ ذَكَرْتُ فيه ما صَحَّ أو قارَبَ أو يَحكيهِ‏.‏

والمُضعَّفِ في آخرِ الضعيفِ والمحفوظِ في الشاذِّ، والمعروفِ في المُنْكَرِ، والمَطْروحِ في آخرِ الموضوعِ، والمُبْدَلِ والمُرَكَّبِ والمُنْقَلِبِ في المقلوبِ، والمشهورِ والوَجْهِ في كونِ المتواترِ من مَباحِثِنا في المشهورِ، وأسبابِ الحديثِ في غريبِ الحديثِ، وتَوالِي روايةِ فُقهاءَ ونحوِهم في المسلسلِ، والمُحْكَمِ في آخرِ مُخْتَلِفِ الحديثِ، وجمعٍ من التابِعِينَ، أو من الصحابةِ في الأقرانِ، ومُشتركِينَ في التسميةِ أو ما اتَّفَقَ اسمُ راويهِ معَ اسمِ أبيهِ وجَدِّه فصاعداً، أو اسمِه واسمِ أبيهِ معَ اسمِ جَدِّه وأبي جَدِّه، أو اسمِه واسمِ أبيهِ وجَدِّه وجَدِّ أبيهِ معَ شَيْخِه في ذلك كُلِّه، أو اسمِ شيخِ الراوي معَ اسمِ تَلْمِيذِه- وكُلُّها في المسلسلِ- أو اسمِ أبيهِ معَ اسمِ شيخِه في حالِ كونِهما مُهْمَلَيْنِ في المُتَّفِقِ، أو كنيةِ اسمِ أبيهِ أو كُنْيةِ زَوْجَتِه، وكلاهما في الكُنَّى‏,‏ والتاريخِ في التاريخِ وغيرِ ذلك مِمَّا يُدْرَكُ بالتحقيقِ له، بل مَن أتْقَنَ توضيحَ النُّخْبةِ لشيخِنا معَ اختصارِه رأَى زائداً على ذلك مِمَّا أكثرُ كُلِّه يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ قِسْماً أو فَرْعاً مِمَّا ذُكِرَ كما بانَ مِمَّا أثْبَتَه منه ‏(‏بطِيبَةَ‏)‏ بفتحِ المُهْملةِ ثم تَحتانِيَّةٍ ساكنةٍ بعدَها مُوحَّدَةٌ وهاءُ تأنيثٍ‏,‏ كشيبةٍ اسمٌ من أرْبَعِينَ فأكثرَ أو أقَلَّ للمدينةِ النَّبوِيَّةِ‏,‏ على ساكنِها أفْضَلُ الصلاةِ والسلامِ‏,‏ اقتَصَرَ عليه من بينِها تَيَمُّناً وتَبَرُّكاً، ويُقالُ لها أيضاً‏:‏ طَابَةُ‏.‏ كما جاءَ معاً في صحيحِ البخاريِّ عن أبي حُمَيدٍ الساعديِّ كلُّ واحدٍ في طريقٍ، ولمُسلمٍ عن جابرِ بنِ سَمُرَةَ رَضِيَ اللهُ تعالى عنه رَفَعَه إنَّ اللهَ تعالى سَمَّى المدينةَ طَابَةَ، وفي لفظٍ عندَ أبي عَوانَةَ والطَّيالِسِيِّ في مُسْنَدِه، كانوا يُسَمُّونَ المدينةَ يَثْرِبَ فسَمَّاها النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ طابةَ، ولا تَنَافِي بينَ الراويتيْنِ، وهما تأنيثُ طِيبٍ وطَابٍ‏,‏ لُغتانِ بمعنًى، واشتقاقُهما أمَّا من الطِّيبِ الذي هو الرائحةُ الحَسَنَةُ لِمَا يُشاهَدُ من طِيبِ تُرْبَتِها وحِيطَانِها وهَوائِها؛ ولذا قالَ بعضُ العلماءِ‏:‏ وفي طِيبِ تُرابِها وهوائِها دَلِيلٌ شاهدٌ على صِحَّةِ هذه التسميةِ؛ لأنَّ مَن أدامَ بها يَجِدُ من تُرْبَتِها وحِيطَانِها رَائحةً طَيِّبَةً‏,‏ لا تَكادُ تُوجَدُ في غَيْرِها، زادَ غيرُه‏:‏ أو لطِيبِها لساكنِها أو لطِيبِ العَيْشِ بها، والحاصلُ أنَّ كلَّ ما بها من تُرابٍ وجُدُرٍ وعَيْشٍ ومنزلٍ وسائرِ ما يُضافُ إليها طِيبٌ لأهلِ السُّنَّةِ، وللهِ تَبَارَكَ وتعالَى دَرُّ القائلِ‏:‏

إِذَا لَمْ تَطِبْ فِي طِيبَةَ عِنْدَ طَيِّبٍ *** بِهِ طِيبَةٌ طَابَتْ فأيْنَ تَطِيبُ

أو من الطَّيِّبِ بالتشديدِ، الطاهِرُ بالمهملةِ لخُلوصِها من الشِّرْكِ وطهارتِها ‏(‏المَيْمُونَهْ‏)‏ يعني المُباركةَ بدُعائِه صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لها بالبركةِ، حتى كانَ مِن جُمْلَتِها- مِمَّا هو مُشاهَدٌ- ما يَحْمِلُه الحجيجُ خُصوصاً زَمَنَ المُوسمِ مِن تَمْرِها إلى جميعِ الآفاقِ، بحيثُ يَفوقُ غُلاتِ الأمصارِ، ويَفْضُلُ لأهْلِها بعدَ ذلك ما يَقُومُ بهم قُوتاً وبَيْعاً وإهداءً إلى زَمَنِ التَّمْرِ وزِيادةً‏.‏

‏(‏فَبَرَزَتْ‏)‏ أي‏:‏ خَرَجَتِ المنظومةُ إلى الناسِ بالمدينةِ الشريفةِ ‏(‏مِنْ خِدْرِها‏)‏ بكسرِ المُعْجمةِ ثم مُهْمَلتيْنِ‏,‏ أوَّلُهما ساكنةٌ، والثانيةُ مَكْسورةٌ‏,‏ أي‏:‏ سِتْرِها‏,‏ ‏(‏مَصُونَهْ‏)‏ بفتحِ الميمِ وضمِّ المهملةِ، لم تَزَلْ صِيانَتُها ببُروزِها، وكذا بَرَزَ شرحُ الناظمِ عليها بعدَ فراغِه من تصنيفِه في يومِ السبتِ تاسِعَ عَشَرَ شهرَ رَمَضانَ سَنَةَ إحْدَى وسَبْعِينَ وسَبْعِمائةٍ بالخانقاه الطشتمريةِ خارجَ القاهرةِ، وانتفَعَ الناسُ بهما، وسارا لأكثرِ الأقطارِ معَ كونِه غيرَ وافٍ بتَمامِ الغرضِ كما العادَةُ جَارِيَةٌ بهِ لشَارِحِي تَصانِيفِهم غالباً، وذلك غيرُ خَادِشٍ في جلالتِه واختصَرَه معَ ذلك الشمسُ بنُ عَمَّارٍ المالكيُّ‏,‏ وما عَلِمْتُ عليها لسواهُ شَرْحاً؛ ولذا انتَدَبْتُ بشَرْحِي هذا، وجاءَ بحمدِ اللهِ بَدِيعاً كما أسلفتُه في ‏(‏آدابِ طالبِ الحديثِ‏)‏ وكَمَلَ، سائلاً من اللهِ تعالى دوامَ النَّفْعِ به في شهرِ رمضانَ أيضاً من سنةِ اثنتيْنِ وثَمانِينَ وثَمانِمائةٍ‏,‏ فبينَهما مائةٌ وإحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً ‏(‏فرَبُّنَا‏)‏ سبحانَه وتعالى ‏(‏المحمودُ والمشكورُ‏)‏ على ذلك كُلِّه ‏(‏إليهِ مِنَّا تُرْجَعُ الأمورُ‏)‏ كُلُّها كما نَطَقَ به الكتابُ والسُّنَّةُ‏,‏ ‏(‏وأفضلُ الصلاةِ والسلامِ على النبيِّ‏)‏ المُخْبِرِ عن اللهِ عَزَّ وجَلَّ بالوَحْيِ وغيرِه، ولا يَنْطِقُ عن الهَوَى، سَيِّدِنا محمدٍ ‏(‏سَيِّدِ الأنامِ‏)‏ كُلِّهم، ووَسِيلَتِنا وسَنَدِنا وذِخْرِنا في الشدائدِ والنوازلِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ تسليماً كثيراً آمينَ، آمينَ، آمينَ‏.‏

‏[‏من ناسخ الكتاب‏]‏ من نَاسِخِ الكتابِ‏:‏ تَشَرَّفَ بكتابتِه دَاعِياً لمُؤَلِّفِه سَيِّدِنا ومولانا العلامَّةِ المُحَقِّقِ الحُجَّةِ شمسِ الدينِ خَاتِمَةِ الحُفَّاظِ والمُحَدِّثِينَ أبي الخَيْرِ محمدٍ السَّخَاوِيِّ الشافعيِّ، أدامَ اللهُ تعالَى النَّفْعَ بعلومِه وبَقائِه وأعادَ علينا من بَركاتِه، فقيرُ عفوِ اللهِ تعالى أحمدُ بنُ محمدِ بنِ أبي بَكْرِ بنِ القَسْطلانِيِّ‏,‏ غفَرَ اللهُ ذُنوبَه وستَرَ عُيوبَه، وكانَ الفراغُ من كتابةِ هذا الكتابِ المُبارَكِ في يومِ الأحدِ المُبارَكِ العِشْرِينَ من شَهْرِ رجَبٍ الفردِ الحرامِ سَنَةَ ثَمانٍ وثَمَانِينَ وثَمانِمائةٍ، خَتَمَ اللهُ لي ولأحبَّائِي وللمسلمين بالإسلامِ والسُّنَّةِ في عافيةٍ بلا مِحْنَةٍ، والحمدُ للهِ وَحْدَه وصَلَّى اللهُ وسَلَّمَ على سَيِّدِنا محمدٍ وآلِه وصَحْبِه‏.‏

الحمدُ للهِ وسلامٌ على عبادِه الذينَ اصْطَفَى‏.‏

‏[‏تصريح عن نسبة الكتاب‏]‏ تَصْرِيحٌ عن نسبةِ الكتابِ‏:‏ واعلَمْ جَمِيعُ هذا الكتابِ وهو المُسَمَّى ‏(‏فتحَ المُغيثِ بشرحِ ألفيَّةِ الحديثِ‏)‏ من تأليفي إِلاَّ من المُتَّفِقِ والمُفْتَرِقِ إلى آخرِه، مَالِكُه الشيخُ الإمامُ العالِمُ العَلاَّمَةُ الفَهَّامَةُ مُفْتِي المُسلمِينَ مُفِيدُ الطَّالِبِينَ بَرَكَةُ المُحَصِّلِينَ، مُحْيِي الدينِ عبدُ القادرِ بنُ الشيخِ المرحومِ العالِمِ شمسِ الدينِ محمدٍ الشيخِ فَخْرِ الدينِ عثمانَ بنِ عَلِيٍّ المَارِدِينِيِّ الأصْلَ‏,‏ الحَلَبِيِّ الشافِعِيِّ الأبَّارِ وابنِ الأبَّارِ، نفَعَ اللهُ تعالى بهِ وبَلَّغَه من خَيْرَيِ الدَّارَيْنِ نِهايةَ أَرَبِه وسَلَّمَه سَفَراً وحَضَراً‏,‏ وجَمَعَ له الحديثَ زُمَراً، ونَفَعَتْنِي بعدَ كتابِه وبركاتِ عُلومِه وسَلَفِه وجَمَعَتْنِي في سَنَدِ رحمتِه وأعالي غُرَفِه قراءَةٌ رَافِعَةٌ للَّبْسِ، دَافِعَةٌ لكلِّ تَخْمِينٍ وحدسٍ، مُحَقِّقَةٌ للمعنَى، مُوفِّقَةٌ على الذي هو أهْنَى، مُبَيِّنَةٌ للمرادِ، مُعَيِّنَةٌ لِمَا يَنْدَفِعُ به الإيرادُ، اجْتَهِدْ فيها أتَمَّ اجتهادٍ، واعْتَمِدْ ما أبْدَيْتُه له في تقريري أيَّ اعتمادٍ، ولكنْ مَنَعَه السفرُ قبلَ إكمالِه وحَثِّه على الرجوعِ الخَبَرَ عن بعضِ آلِه، لقاه اللهُ كلَّ خيرٍ وكَفَاهُ سَائِرَ مُهِمَّاتِه في الإقامةِ والسَّيْرِ فاستخَلَفَ رفيقَه الفاضلَ الكاملَ الحسنَ الشَّمائِلِ البارِعَ المُفِيدَ الفارِغَ المجيدَ الشهابَ العَبَّاسِيَّ أحمدَ بنَ الشمسِ محمدَ بنَ الفَخْرِ عُثْمانَ بنَ جَمالِ الدينِ الحلبيَّ الحنفيَّ ويُعْرَفُ بالتبرنيِّ‏,‏ نفَعَه اللهُ ونفَعَ به ووَصَّلَ أسبابَ الخيراتِ بسَبَبِه، ورجَعَ به إلى وَطَنِه سالماً غانماً، فسَمَّعَ عليَّ بقراءةِ غيرِه في البحثِ والتقريرِ والإيضاحِ والتحريرِ من الأسماءِ والكُنَى إلى آخرِ الكتابِ، وهو مُمْسِكٌ بيدِه هذه النسخةَ بحيثُ صارتْ أصلاً يُرْجَعُ إليها ويُعَوَّلُ في الكتابِ والمطالعةِ عليها، وذلك بعدَ سامعِ الشهابِ المذكورِ لجُلِّ ما قرَأَه الأولُ معَه، وأجَزْتُ لهما روايةَ ذلك عَنِّي وسائرَ ما يَجوزُ لي وعَنِّي روايتُه بشَرْطِه، بل أَذِنْتُ لهما حبسَ النسخةِ في أقاربِه وأقرانِه، وإلقائِه للطالِبِينَ المُسْتَرْشِدِينَ وأسألُ كُلاًّ منهما في الدعاءِ لي بخاتمةِ الخيرِ وإصلاحِ فسادِ القلبِ‏,‏ وكانَ انتهاؤُه في ثامنِ شَهْرِ رَجَبٍ سنةَ ‏(‏889هـ‏)‏‏,‏ قالَه وكَتَبَه محمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ محمدِ بنِ أَبِي بَكْرِ بنِ عُثْمانَ السخاويُّ الشافعيُّ غفَرَ اللهُ ذُنُوبَه وسَتَرَ عُيوبَهُ، وصَلَّى اللهُ على سَيِّدِنا محمدٍ وآلِه وصَحْبِه وسَلَّمَ تَسْلِيماً كثيراً‏.‏

لَقَدْ تَمَّ الكتابُ بعونِه سُبْحانَه وتعالى وتَوْفيقِه‏.‏